البروز القوي لمنظمات شعبية راديكالية في أوروبا والولايات المتحدة تتبنى شعار مناهضة الحروب الأميركية ومشاركة دول أوروبية فيها يستدعي طرح تساؤل كبير: هل تنشأ جبهة شعبية عريضة على مستوى عالمي لمواجهة الهيمنة الغربية التي تتزعمها الولايات المتحدة؟ في الأسبوع المنصرم عقد في الدوحة اجتماع قمة جمع على صعيد واحد بين دول عربية ودول من أميركا اللاتينية لبحث أوجه ووسائل تعاون مشترك بين المنطقتين العربية واللاتينية.

ورغم أن مثل هذه الاجتماعات الفريدة والنادرة ينبغي الترحيب بها إلا أنه كان تجمعاً اقتصر على ممثلي حكومات. ولأن عدداً كبيراً من الدول المشاركة في الجانبين ترتبط بعلاقات تحالف - بعضها استراتيجي- مع الولايات المتحدة، وتخضع بالتالي لهيمنة أميركية راسخة فإنه لا يمكن أن يرجى الكثير من مثل هذه التجمعات على صعيد مناهضة السيطرة الغربية العالمية التي تنتظم معظم دول العالم الثالث.

فالمطلوب إذن هو نشوء تجمع شعبي تشارك فيه منظمات مجتمع مدني فاعلة جنباً إلى جنب مع أحزاب حاكمة تلتزم بأجندة تحررية. خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نشأت حركة «عدم الانحياز» كتجمع في العالم الثالث يتشكل من دول تتبنى - أو من المفترض أن تتبنى - شعار الاستقلالية عن كل من المعسكر السوفييتي والمعسكر الأميركي. ورغم أن عدداً من الدول الأعضاء كانت خاضعة للإرادة الأميركية إلا القيادة الطليعية للحركة كانت تتكون من زعامات قوية من أمثال العربي جمال عبدالناصر والإفريقي كوامي نكروما والهندي جواهر لال نهرو واليوغسلافي جوزيف تيتو.لكن بطبيعة الحال تلاشت حركة عدم الانحياز بعد رحيل هذه الزعامات تباعاً عن الدنيا.

ما يستخلص إذن هو أن المطلوب إنشاء جبهة عالمية ذات طبيعة شعبية غالبة حتى لو ضمت ممثلي حكومات على أن تكون طبعاً حكومات دول تمكنت من تحرير نفسها من السيطرة الغربية. في أميركا اللاتينية تحررت حتى الآن ثماني دول من القيد الأميركي وإن بدرجات متفاوتة.. وهي كوبا وفنزويلا والبرازيل وبوليفيا ونيكاراغوا وشيلي والسلفادور.

والأحزاب الحاكمة في هذه الدول الثماني يمكن أن تشكل مجتمعة نواة إنشاء الجبهة الشعبية العالمية لتنضم إلى عضويتها أحزاب ومنظمات عربية وإفريقية بالإضافة إلى منظمات مناهضة الحرب في أوروبا والولايات المتحدة. ولوضع لبنات هذا المشروع الكبير أصبح المناخ السياسي العالمي الآن ملائماً مع تصاعد التداعيات السالبة للأزمة الاقتصادية العالمية. فالتداعيات تؤدي لانكماش النفوذ الدولي الأميركي بينما تلهب مشاعر التذمر الجماهيري في الغرب عموماً.