مرة أخرى يأخذ الحوار الفلسطيني إجازة قسرية، بعد وصوله إلى الحائط المسدود. بعد يومين من الجلسات، التي لم يتزحزح خلالها أي من الفريقين عن مواقفه وشروطه؛ عادت الأمور إلى المربع الأول. القضايا الخلافية، تدور في نفس الدوّامة. من الحكومة وبرنامجها، إلى الانتخابات؛ وانتهاءً بالإصلاحات الأمنية والهيئة الوطنية العليا للإشراف على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
كان الاعتقاد، بعد تعثّر التوافق في الجولة الأخيرة؛ أن استئناف الحوار بعد القمة العربية، لا بدّ وأن يأخذ شحنة زخم من أجواء المصالحة المتوقع أن تسود في الدوحة. لكن ذلك لم يحصل. المأزق بقي على حاله. عقدته الكبيرة، على ما تردّد، في الحكومة. وبالذات، في مسألة قبولها بشروط الرباعية. لاسيما شرط الاعتراف بإسرائيل، لكي تكون مقبولة ويجري التعامل معها. عند هذه النقطة، توقف الحوار؛ على أن يصار إلى استئنافه، مبدئياً، في 26 الجاري.
الفترة الفاصلة، يفترض أن تكون للبحث عن المخرج المناسب. لا خيار آخر. ضرورته ما عادت تحتمل التأجيل. وضع حدّ للانقسام الفلسطيني، كان باستمرار مطلب ملحّ وضاغط. لكن في هذه اللحظة، هو أكثر وأبعد من ذلك. بات ضرورة موجبة وحتمية. قد تكون التعقيدات، في طريقه، صعبة وربما مكلفة.
وقد يكون بعض المطلوب، تعجيزي، بهذا المنظار أو ذاك. لكن للضرورة أحكام. صعود الفاشية، في تل أبيب، إلى الحكم؛ كما لم يحصل من قبل، ليس حدثاً عادياً. صحيح أن لا حمائم في إسرائيل. كلهم في نهاية المطاف، من نفس القماشة. مع ذلك فإن مجيء الجوارح دفعة واحدة وعلى المكشوف، تطور لا بدّ من التعامل معه وفق مقتضاه. الشرط الأول، أن تتوفر في مواجهته درجة عالية من الاستنفار الوطني الفلسطيني؛ الذي لا يستوي في ظلّ الحالة القائمة. غياب الوحدة الوطنية وإن بحدودها المرحلية أو الانتقالية، يزيد من تآكل المناعة. تجربة فترة الانقسام، تؤكد ذلك. الخشية أن يكون استمرار الحال قاتلاً، هذه المرة؛ في ضوء المعطيات الراهنة.
الظروف الحالية، تسود فيها التسويات. القمم العربية الثلاث الأخيرة، شهدت حركة مصالحات متوالية. قمة العشرين الاقتصادية، أيضاً طلعت بقرارات وخطوات؛ قامت على التسوية بين مطالب ومقاربات متضاربة، في الأصل. المنطقة، مع كل سخونة أوضاعها، تهب فيها رياح إقليمية ودولية؛ يزعم أصحابها أنها معتدلة ووسطية. لا يجوز أن تبقى الأوضاع الفلسطينية الداخلية المعروفة، عصية على بلوغ صيغة تسوية ما. ليس بالضرورة لمسايرة الموجة السائدة. لكن أساساً لتحصين الذات. ولهذا الغرض لا بدّ وأن تهون التراجعات والتسويات.
