هل تقدر الدول الغنية وذات الاقتصاديات الصاعدة على احياء نمو الاقتصاد العالمي وإعادة الاستقرار للنظام المالي؟ وهل تكفي الأموال التي أعلنت عن ضخّها عبر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، على اخراج العالم من أسوإ أزمة عالمية منذ سبعة عقود؟

لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك اليوم أو غدا، ما دامت القرارات مجرّد تصريحات لم ترتق إلى خطط وبرامج عملية تقوم على تضامن عالمي، ولم تبادر الى حظر المعاملات التي فجّرت الأزمة، ولم توقف النزعات الحمائية والوقائية التي تقوم بها الدول الكبرى ومنها التخفيض في قيمة العملات.

إن استعادة النمو الاقتصادي العالمي يقتضي انعاش التجارة الدولية واشاعة مناخ الثقة والاستقرار لدى كبار المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين ومساعدة الدول والشعوب امتضررة، خاصة وان أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل في زيادة متواصلة وأن دولا عديدة مهددة باضطرابات اجتماعية لعجز حكوماتها عن مواجهة تداعيات الازمة وعن الحصول على قروض من الهيئات المالية الدولية.

واذا كانت آخر الابحاث الاقتصادية تؤكد أن قرابة 100 دولة من العالم مهددة بالأسوإ خلال الفترة القادمة ومنها دول أوروبية وآسيوية وعربية، بدأت تشهد تزايدا في نسب البطالة واتجاها نحو خفض الأجور وتجميد القروض المصرفية وتراجع التمويلات الاجتماعية، فإن تونس ظلّّت خارج دائرة التهديد بفضل حكمة القيادة ودرجة التيقظ والمتابعة العليا والدقيقة للمستجدات وبفضل الاجراءات والبرامج الرشيدة التي تم وضعها.

صحيح أن بلادنا لم تكن بمنأى عن تداعيات الأزمة بشكل كامل وعرفت بعض مؤسساتها صعوبات أدت إلى فقدان 12 ألف عامل لوظائفهم بشكل جزئي أو تام، لكن الأهم أن هياكل الدولة كانت بالمرصاد لمساعدة العمال المسرّّحين والمؤسسات المتضررة على إعادة الاندماج في السوق.

فالأزمة الاقتصادية لم تعطّل نسق استهلاك التونسي ودرجة رفاهه، ولم تمنع المؤسسات الحكومية والخاصة من اقرار زيادات مهمّة في الأجور، والمصارف تواصل تمويل المؤسسات واقراض العائلات والأفراد، ونسق الاستخلاص مستمر بلا توقف.

صحيح أن عديد المؤسسات أغلقت أبوابها وهي حالة تتكرر كل عام، باعتبارها مرحلة طبيعية في النسيج المؤسساتي في كل بلدان العالم لكن المهم ان عدد المؤسسات التي يتم بعثها ومواطن الشغل التي يتم خلقها أرفع بكثير من المؤسسات التي تغلق ومن مواطن الشغل التي تفقد.

كما أن نسق المشاريع الكبرى والاستثمارات الاجنبية يتواصل بشكل مرضي ولا يؤشر لوجود أزمة أو تخوّفات كبيرة.

كذلك هي تونس دوما قادرة على ادارة الازمات الوافدة والعابرة بصحة مقارباتها وخياراتها الوطنية المستندة على نظرة استشرافية ثاقبة واستقراء صحيح للأحداث والمستجدات يتيح استباق الازمات بحلول ناجعة تقي من أخطار التداعيات الخطيرة.