خفت الأضواء فجأة دون أن تصل إلى درجة الظلمة الحالكة، وأنا جالس في بهو أحد فنادق دبي ليل الثامن والعشرين من الشهر الفائت، وأبصرت الندلاء (جمع نادل) والعاملين في الفندق من موظفين وغيرهم وقد حمل كل واحد منهم بيده قلماً مضيئاً باللون الفستقي ينير له الطريق، ويخفف من وطأة السواد الذي حل من دون إنذار!! وحينما سألت عما يجري من حولنا قيل لي إن ذلك مشاركة بمبادرة «ساعة الأرض»، والتي ستستمر إلى الساعة التاسعة والنصف مساءً.
ولا أخفيكم مبلغ سروري من ذلك العمل، فقد بدا لي الجو «رومانسياً» أكثر، وذكرني بأيام الطفولة حينما كنا نتسامر على سيف البحر أو في «حوش» البيت والظلام يلفنا!! ثم لعلمي أيضاً بأن توفير الطاقة يساهم في تقليل نفقاتنا ويحافظ على البيئة لأنه يقلل من حرق الوقود الأحفوري الذي يشغل محطات الطاقة الكهربائية لدينا وبالتالي فهو يؤدي إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، المسبب لما يعانيه العالم من احتباس حراري.
وكم كان مبلغ سروري وأنا أطلع على الصحف فيما بعد، حينما علمت أن من ساهم في «ساعة الأرض» تلك لم يكن «فندقنا» الفخم، بل شمل وزارات الدولة في الإمارات الشقيقة، والسواد الأعظم من مؤسساتها الرسمية والتجارية كمركز «دبي المالي» ووزارة الخارجية وغيرها، وأن هذا النشاط الطوعي إنما جاء بناء على مبادرة من منظمة اسمها «الصندوق العالمي لصون الطبيعة».
وما أكد فعالية التأثر الحميد لمثل تلك المبادرات في ترشيدها لاستهلاك الكهرباء فضلاً عن مساهمتها في المحافظة على البيئة، تلك الأرقام التي نشرتها الصحف، ونستعين بجريدة «البيان» الغراء برهاناً على ذلك. فتلك الساعة من «التخفيف» وفرت 146 ألف كيلو واط من الطاقة الكهربائية في دبي، وهذا يمثل انخفاضاً في انبعاث غاز الكربون بمقدار 88 ألف كيلوغرام.
أما أحدث الأفكار، بل «الصرعات» المطروحة بخصوص المحافظة على البيئة وتقليل ظاهرة الاحتباس الحراري ما نشرته مجموعة من الباحثين في مقالة مشتركة في مجلة ال«فورين أفيرس» الأميركية المرموقة، في عدد مارس/أبريل من السنة الجارية تحت عنوان: «خيار هندسة المناخ» (Option Geoengineering The).
أما الباحثون ويبلغ عددهم خمسة فهم ينتمون إلى أرقى الجامعات الأميركية وتتفاوت تخصصاتهم بين البيئة والهندسة والقانون الدولي وغيرها، مما يشير إلى أن فكرتهم تستلزم ليس فقط الجوانب المادية الهندسية البحتة، بل وأيضاً الاعتبارات السياسية.
ويعتقد هؤلاء أن الإنسان لا بد أن يتدخل في البيئة ليتحكم في مناخها، حيث إن المحافظة على المستوى الحالي لحرارة الكرة الأرضية تستلزم تخفيض انبعاثات الغازات وعلى وجه الخصوص غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 60 إلى 80%، وهذا مستوى لن تصل إليه دول العالم بشكل سهل.
وعلى ذلك، فلا بد من أن يجرى العمل على نشر جزيئات عاكسة تتكون من مواد كيمائية على نطاق الغلاف الجوي للكرة الأرضية، أو إقامة «مظلة» لتقليل حرارة أشعة الشمس. وقد استقى هؤلاء فكرتهم من تأثيرات البراكين، فثورة بركان جبل بيناتوبو في الفلبين العام 1991 قد خفض درجة الحرارة في منطقة واسعة نصف درجة طوال عام كامل، وكان ذلك جراء مادة الكبريت التي أطلقها في الغلاف الجوي (والتي تعكس أشعة الشمس).
أما ثورة بركان كركاتاو المدمر في اندونيسيا الذي حدثت في 1883 فقد كان تبريدها أشد ولمدة أطول. يقول هؤلاء إن ضخ كيلوغرام واحد من الكبريت في الغلاف الجوي كافية لإيقاف تأثير مئات الألوف من الكيلوات من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسببة للاحتباس الحراري!!
ويدعي هؤلاء أن زيادة قدرة الكرة الأرضية على عكس أشعة الشمس المتساقطة عليها بنسبة واحد بالمئة كافية لوقف التأثيرات الحرارية لمئات الألوف من الكيلوغرامات لغاز ثاني أكسيد الكربون المنبعثة للقرن المقبل، علماً بأن انبعاثات ذلك الغاز ستتضاعف خلال تلك المدة.
والواقع، أن «هندسة المناخ» ليست بدعة، بل هي علم معروف وإن كان على نطاق محدود وربما كان الاهتمام به يخص المجال العسكري. فمنذ أربعينات القرن الماضي اهتمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بمشروع «خلق ظروف مناخية» أكثر ملاءمة في أرض المعركة، كعملية «استمطار كثيفة» تصعب الوضع بالنسبة للعدو!!
ويدرك هؤلاء الباحثون المخاطر التي قد يسببها هذا النوع من «التحكم في المناخ»، إذ لن يقتصر تأثير تلك التجارب على حدود الدولة، بل هو بالضرورة سيتجاوز حدودها وقد يسبب اضطراباً في مواسم الأمطار ومواعيد هطولها، أو تغيراً في مناسيب مياه الأنهار أو غيرها من التغيرات المناخية غير المعروفة نتائجها. لذا، يوصي هؤلاء بأن مشروعا من هذا القبيل لا بد أن يكون مشروعاً عالمياً تتشارك فيه جميع الدول، فهو أحد السبل المهمة للتقليل من الاحتباس الحراري بتأثيراته المهلكة.
