في أواخر سور القرآن الكريم، وبالتحديد السورة السادسة بعد المائة، ترتسم هناك تفاصيل المشهد السياسي في شبه الجزيرة العربية قبيل البعثة المحمدية، إنها تفاصيل مقتضبة، ولكنه اقتضاب مذهل لدقته في وصف ذلك الالتقاء بين الخطوط العامة لحالة العرب في ذلك الماضي السحيق وحالتهم وهم في بداية الألفية الثالثة، وكأن كل الزخم الحضاري الذي فجّره المسلمون العرب للبشرية من وراء كثبان الجزيرة وهضابها انزوى وانطفأ بريقهم معه لينتهوا من حيث بدأوا، بينما حملت رايته عقول وإرادات أخرى أكثر تعطشا للمعرفة وأكثر مهارة في قيادة قافلة الحضارة.
وبهذا فإن مأزق العرب الجديد، تشرّحه وتنكأ جروحه أربع آيات هي «سورة قريش» التي تستدعي المشهد العربي من أحشاء التاريخ، ولعل المدلول الرمزي لاسم السورة بحد ذاته يفصح عن أشياء وأشياء، فقريش كانت وستظل إلى نهاية التاريخ رمز العرب وآخر حصونهم وشعار مجدهم وجوهرة تاجهم، هنا تلتقي وتأتلف كل أطياف العروبة وألوانها، عروبة الدم.
وعروبة اللسان، وعروبة الأرض والوطن، وعروبة الراية والعصبية والحميّة، وعروبة المفاهيم والقيم، وعروبة الهمّ الحضاري والتاريخي. لقد نجحت هذه القبيلة العربية المتحصّنة بسواتر الظروف المناخية والجغرافية القاسية، في قراءة حركة التاريخ بدهائها السياسي، فاستثمرت خريطة القوى السياسية لتتحصّن بسواتر أخرى من التحالفات والمعاهدات، التي قال الحق جل جلاله عنها:
«لإيلاف قريش، إيلافهم..»، أي أليس مثيرا للإعجاب هذا التحالف القرشي مع القوى العظمى وتأليف الأحلاف مع القبائل من أجل مصالحها، وكم هو استقراء ذكي وتكتيك سياسي رائع يؤمّن الغطاء الحمائي لخطوطها التجارية؛ مع أنها لم تضطر إلى أن تحوّل أراضيها من أجل استجداء ذلك التحالف إلى قواعد عسكرية للقوى العظمى كما يصنع أحفادها اليوم، ولم تدفع سيادتها ثمنا لذلك التحالف لتصبح بسببه تابعا يتلقى التعليمات والأوامر من التيجان والقبعات، بل كان تحالفا يمنحها الحماية.
ويجعلها محورا للحركة التجارية والاقتصادية، إذ تفتقت عبقريتها الاقتصادية بتنظيم رحلة شتائية إلى اليمن لتستورد منها البضائع الآتية إليها من الهند، وأخرى صيفية إلى الشام لتصدّر إليها تلك البضائع وللحصول على العملة الصعبة بلغة اليوم، وبذلك جاءت قوتها الاقتصادية ثمرة لذلك التكتيك الشديد البراعة حتى امتدحه الله سبحانه بقوله: «إيلافهم رحلة الشتاء والصيف».
وهكذا مكّنت مكتسبات هذا التحالف الاستراتيجي وهذا الدور الاقتصادي قريشا من تحقيق الوفرة الاقتصادية والاستقرار السياسي، اللذين وصفهما القرآن في صورة رمزية في غاية الروعة: «.. أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف»، وذكر الله هنا الطعام والأمان، لأن النتائج النهائية هي مقياس إشباع حاجات المجتمع أغنيائه قبل فقرائه، أما النظريات الاقتصادية والاستراتيجيات السياسية التي تعجز عن تحقيق تلك النتائج فلا قيمة لها، بل إن نتائجها قد تأتي على النقيض الذي بيّنه الحق تبارك وتعالى عندما صرّح بذكر الأضداد «الجوع والخوف».
ولو لم يكن الأمر كذلك لاكتفى بقوله «أطعمهم وآمنهم»؛ فما قيمة الاقتصاد ذي النظريات والمذاهب والخطط التنموية بينما يعيش أهله جياعا، وما قيمة السياسة ذات الشعارات بينما الخوف يفترس أفئدة الجماهير، وهكذا كانت قريش قبل الإيلاف.
ولكن دفء الشتاء اليماني ونسائم الصيف الشامي لم يساعدا قريشا إلا على المناورة التجارية في مساحة ينتهي طرفاها بين اليمن والشام، فكان الخطأ الذي ارتكبته قريش ـ قبل دخولها في الإسلام ـ في عدم استثمار دهائها إلى أبعد من ذلك، فاكتفت من الغطاء السياسي الذي حصلت عليه «بالطمأنينة».
ومن نشاطها الاقتصادي المرتبط بالأسواق العالمية «بالشبع»، فتقوقعت عند حدود جزيرتها ولم تتقدم خطوة أخرى إلى الأمام للتواصل مع الآخر والانفتاح عليه، فلم تحصل بالتالي على أكثر من «البقاء» و«الزحف» للّحاق بإيقاع حركة الحضارة، دون القدرة على توجيه هذه الحركة أو الخروج من مجالها أو السباحة بعكس تيارها.
وذلك لأنها كانت بلا إمكانات تأثيرية قيميّة أو معرفية فتقاصرت بالتالي عن أن تقدم للأمم والمجتمعات التي عاصرتها خيارات مبتكرة أو حلولا عبقرية مشحونة بطاقة القدرة على نقل مشكلاتها من «الأزمة» إلى «الحل» بالدرجة التي تستثير الضمائر وتستحق مجازفة الاعتناق والتطبيق، بل كانت بقية الأمم تمتلك من هذه الناحية الكثير مما كان يتفوق على القيم القرشية ونتاجها المعرفي.
المستغرب أن العرب والمسلمين وهم في الألفية الثالثة لم يتقنوا حتى فنون اللعبة القرشية، فرغم إيلافهم عشرات المنظمات والهيئات والأحلاف الدولية والإقليمية التي ينضوون تحت مظلة مواثيقها.
ورغم اتفاقياتهم مع القوى الدولية، إلا أنهم لم يوجدوا لأنفسهم رقما له وزنه في حسابات تلك القوى، ناهيك عن أن يوجدوا لأنفسهم دورا عالميا أو إرادة حرة أو أن يقدموا للعالم خيار قيادته فيما لو شغرت هذه الوظيفة ذات يوم، بل يقابل هذا الطرح المتزمّت انفتاحا مفرطا لدرجة التهاون في أبسط مبادئ الكرامة والسيادة وهم يسعون بكل مثابرة وتهوّر إلى تدويل قضاياهم الداخلية، فصاروا بذلك أعجز من قريش في القدرة على التأثير، ويرتكبون بكل إصرار نفس خطئها، لأن طموحاتهم لم تتسع لأكثر من الطمأنينة والشبع؟
وكان الحل بالنسبة للجيلين يكمن في وسط هذه السورة المنقذة، إنها في قول الحق تبارك وتعالى: «فليعبدوا رب هذا البيت»، هنا أكثر من إشارة في غاية الأهمية الاستراتيجية، الأولى: «فليعبدوا» وهي إشارة إلى ضرورة التزام العبادة بمفهومها الكلي أو الشمولي وليس الجزئي أو الانتقائي، وتعني الالتزام على المستويين الجماعي والفردي بالقيم والمفاهيم والثوابت التي تختزن وقود التأثير إلى أن تترجم إلى سلوكيات وأفعال.
والثانية: «رب» وهي إشارة إلى ضرورة أن يكون منهج الالتزام ربّانيا في كل شيء، لأن المناهج البشرية لا تنقذ البشرية بل تضيف إلى مآزقها مأزق المنهج المتضاد مع نفسه، وتضيف إلى ويلاتها الكوارث التي يستجلبها سدنة المنهج والمعتكفون تحت أوثان رموزه؛ والثالثة: «هذا البيت» وهي إشارة إلى ضرورة أن يكون مصدر تلقّي المنهج إسلاميا ولهذا لم يقل «فليعبدوا الله» أو «فليعبدوا ربهم» حتى لا تخطئ خطا البشر مسارها في رحلة البحث عن الحقيقة بين الطواغيت والآلهة المزيفة.
بل اختصر الله تعالى عليها عناء الطريق فقال: «رب هذا البيت» فالبيت المقصود هو بيت الله الذي لا ينازعه أحد في ملكيته، وزاد اسم الإشارة «هذا» للتوكيد، لأنه كان قبل البعثة المحمدية وسيبقى بعدها رمزا لدين الإسلام؛ والرابعة: أن «الفاء واللام» في «فليعبدوا» جاءت آمرة، فما دام الطعام والأمان قد توافرا، فلا بد إذن من «العبادة»، ولا اختيار للبشر هنا بين القبول أو الرفض أيّا كانوا وحيثما كانوا.
ومن هنا جاء الإسلام دينا ديناميكيا ومؤثرا، لينقل البشر من أوضاعٍ كثيرة السلبيات وقليلة الإيجابيات إلى وضعٍ كثير الإيجابيات وقليل السلبيات، ولو كانت الحالة القرشية قبل الإسلام رغم الوفرة الاقتصادية والاستقرار السياسي والنشاط الثقافي حالة نموذجية لاستبقاها الإسلام، ولكن التغيير الذي أحدثه فيها جعل لقريش شأنا آخر، وهكذا فإن عرب ومسلمي اليوم إذا لم يتخلصوا من حالة الجمود القرشية، فسيظلّون هامشيين ومستهلِكين ومقلّدين وزاحفين.
كاتب إماراتي