هل يستطيع الإعلام الجديد أن يحقق ما فشل في تحقيقه الإعلام التقليدي؟ هل يستطيع أن يضع الأسس لفضاء عام عربي تناقش وتتنافس فيه الآراء والأفكار والاقتراحات من أجل نشر الديمقراطية ودعمها للوصول إلى الحكم الراشد؟ ما هي الفرص العديدة التي يقدمها هذا الإعلام الجديد للطبقات المحرومة والمهمشة للتعبير عن همومها ومشاكلها وطموحاتها؟
وهل يستطيع الإعلام الجديد في ظل غياب حرية الصحافة وغياب المجتمع المدني الفعال وغياب قنوات التواصل بين القمة والقاعدة أن يكسر الحواجز ويوفر منابر الحوار والنقاش من أجل إرساء قواعد ديمقراطية عن طريق الاتصال الالكتروني الذي يوفره سواء كان ذلك عن طريق منتديات الحوار أو من خلال المواقع والصفحات على الشبكة أو المدونات أو غرف الدردشة أوالمجموعات الإخبارية و«اليوتوب» و«الفايس البوك».
يطلق مصطلح الإعلام الجديد على تكنولوجيات الاتصال الجديدة وثورة المعلومات التي ظهرت في الجزء الأخير من القرن العشرين والتي تشمل شبكات الاتصال الرقمية والحاسوبية المختلفة.
فالإعلام الجديد أحدث ثورة في عملية الاتصال حيث نقلها من شكل الاتصال-من واحد إلى العديد من المستقبلين،من العديد إلى العديد، أي من الجماهير إلى الجماهير.
بالإضافة أن الفرد في المجتمع أصبح باستطاعته أن يرسل ويستقبل ويتفاعل ويعقب ويستفسر ويعلق بكل حرية وبسرعة فائقة. فالإعلام الجديد ساهم في إعادة تشكيل الأنماط التواصلية التقليدية القديمة القائمة على احتكار النخب السياسية والثقافية لوسائط الإعلام وباقي وسائل التعبير في الفضاء العام.
فالانترنت، على سبيل المثال، لم تسهل فقط عملية الوصول إلى المعلومات والأخبار والبيانات بل أتاحت الفرصة للمستخدم لإنتاج المضامين والرسائل والبيانات من خلال أشكال تعبيرية مختلفة كمنتديات الحوار والصفحات الشخصية وغرف الدردشة والمدونات.
وهكذا يصبح مستخدم شبكة الانترنت يستقبل ويرسل ويتفاعل ويساهم ويشارك في صناعة المعلومة وتبادلها وهذا ما يجعل منه طرف فعال في العملية التواصلية.
فالإعلام الجديد فتح المجال أمام أفراد المجتمع لممارسة مختلف أنواع الاتصالات عن طريق الانترنت والبريد الإلكتروني والمواقع الإلكترونية ومنتديات الحوار والصفحات على الشبكة والمدونات و«اليوتوب» و«الفايس بوك»...الخ.
وهكذا ظهرت مصطلحات جديدة كالفضاء العام الافتراضي والحكومة الإلكترونية والديمقراطية الالكترونية وديمقراطية وسائل الإعلام، وصحافة الموطن®. الخ. فرص عديدة إذن يقدمها الإعلام الجديد للمواطن العربي وللحكومات العربية للخروج من وضعية عدم التواصل وعدم الحوار ومن الإعلام والاتصال العمودي وفي اتجاه واحد إلى الإعلام الأفقي والاتصال في جميع الاتجاهات ومن قبل مختلف الفعاليات وإلى بناء شبكات اتصالية متنوعة، تفاعلية، سريعة، وبتكلفة بسيطة جدا لا تكاد تذكر.
فالانترنت على سبيل المثال يمكن الاستفادة منه لوضع أسس صلبة لفضاء عام يمثل ساحة اجتماعية يلتقي فيها الجميع للحوار الصريح والبناء حول قضايا وهموم المجتمع بهدف الوصول إلى اقتراحات بناءة للتأثير على العمل السياسي.
فالفضاء العام هو المجال الذي يحتضن الممارسة السياسية من خلال الحوار والنقاش والنقد وتبادل الآراء والأفكار بهدف تشكيل الرأي العام وتنويره للتأثير على صانع القرار حتى يتخذ القرار السليم الذي يخدم المصلحة العامة. ما يلاحظ اليوم في العالم العربي هو انتشار الإعلام الجديد وانتشار الانترنت في مختلف المجالات وعلى مختلف الأصعدة ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للهاتف الجوال وللمدونات، ومنتديات الحوار والمواقع الشخصية والمؤسساتية على الشبكة العنكبونية.. الخ.
وأصبح الجميع وكل في مجاله يتمتع ويستفيد من الخدمات التي يقدمها الإعلام الجديد. والسؤال الذي يفرض نفسه هو ماذا فعل العرب بالإعلام الجديد في مجال الفضاء العام والمجتمع المدني وخدمة الديمقراطية والمشاركة السياسية.
وهنا نشير إلى أن العديد من المختصين والنقاد والباحثين في مجال تكنولوجيات الاتصال والمعلومات قد تفاءل خيرا واستشرف للأنظمة العربية الديمقراطية والحوار والنقاش الاجتماعي وردم الهوة بين القمة والقاعدة. لكن كل هذا التفاؤل والاستشراف الايجابي لم يجسد في الواقع ولم نر إلى حد الآن استغلالا إيجابيا للإعلام الجديد في المجال السياسي وفي خدمة الديمقراطية والعمل السياسي وصناعة القرار والحكم الراشد.
وهنا يجب الإشارة إلى أن تكنولوجيا الاتصال والمعلومات لا تخدم الديمقراطية بالضرورة وأن انتشار الانترنت في مجتمع ما لا يعني بالضرورة انتشار حرية الصحافة وحرية الرأي وانتشار الحوار الاجتماعي والحراك السياسي. ما هي أسباب عدم الاستغلال الأمثل ولماذا غياب الفضاء العام وغياب الديمقراطية الإلكترونية وغياب ديمقراطية الإعلام وغياب الصحافة المدنية.
أولا يجب الإشارة إلى أن الفضاء العام هو ثقافة ونمط حياة يؤمن به المواطن المسؤول في المجتمع كما يؤمن به صانع القرار ويحترمه ويشجعه على العمل السياسي والمشاركة السياسية.
ثانيا الفضاء العام له مستلزمات وشروط وبيئة ملائمة يجب أن تتوفر حتى يكتب له الوجود ومن ثم النجاح. وهنا نلاحظ غياب مجتمع مدني فعال في العالم العربي وغياب ما يسمى بالسلطات المضادة التي تراقب السلطات الثلاث وتراقب الممارسات السلبية والخاطئة التي تضر بالمصلحة العامة في المجتمع. كما نلاحظ غياب صحافة قوية ومسؤولة تقوم بدورها في المجتمع على أحسن وجه وتوفر منابر للحوار والنقاش وتسمح لمختلف القوى الاجتماعية للمساهمة في الحوار الاجتماعي والسياسي.
ثالثا يجب أن نتساءل عن الاستخدامات المختلفة للإعلام الجديد، سواء كان انترنت أو هاتف نقال أو مدونات أو غرف دردشة أو مواقع على الانترنت وسواء تعلق الأمر بالأفراد أو المؤسسات.
فالتعامل مع الانترنت لا يعني بالضرورة استخدامه بالطريقة الأمثل واستغلاله أحسن استغلال لتحقيق أهداف سامية ونبيلة. فإذا كانت الديمقراطية غائبة في مجتمع ما فالانترنت والإعلام الجديد ليس بمقدورهما كتكنولوجية جديدة إرساء قواعد الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك من العالم العربي.
صحيح أن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما أستخدم وسيلة الانترنت بدرجة كبيرة واستغلها أحسن استغلال في حملته الانتخابية حيث انها ساعدته كثيرا في الحصول على العديد من أصوات الناخبين الأميركيين خاصة أصوات المترددين والذين لم يقرروا على من يصوتوا إلا في اللحظات الأخيرة.
أوباما أستغل الانترنت في مجتمع له تاريخ في تقاليد ممارسة الديمقراطية والتعامل مع الإعلام المسؤول والمحترف ومع المجتمع المدني والثقافة الانتخابية والحملات الانتخابية. أوباما كذلك كان لديه ما يقدمه للشعب الأميركي من سياسات واستراتيجيات وخطط وبدائل في ظل سلفه جورج بوش الذي تميز بإخفاقه في إدارة شؤون أميركا .
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة