تغنى العرب منذ القدم شعراً ومناجاة بالقمر بل وشبهوا أحباءهم ونساءهم الجميلات بالقمر لبزوغه وجماله.. تفننوا في وصفه لكنهم لم يدر بخلدهم ان للقمر الزاهي جزراً حقيقية تغفو بسلام على كتف المحيط الهندي مبتعدة دونما قرار منها عن نزاعات العرب القبلية والطائفية وحروبهم وصراعاتهم العديدة لترسم لنا لوحة جميلة مما أبدع الخالق القدير في صياغة اسمها ورسمها فهي جنة من جنان الأرض اسماها أجدادنا الأولون بجزر القمر لأنهم حين رست مراكبهم بها كان القمر يرسم صورة الجمال والبهاء على شواطئها الغناء..
سكانها شعب مسلم يتوزع السكنى على أربع جزر ويعتز بأصوله العربية التي ترجع إلى عائلات حضرمية وعُمانية وأخرى من سواحل الخليج العربي القوا مراسيهم هناك عاشوا في تناغم مع الطبيعة الأخاذة وتعايشوا بمحبة مع غاباتها الخضراء وجبالها الشماء. يقتاتون مما أفاض الله عليهم من أشجار المانجو والموز والأناناس ويصدرون للعالم الورد والياسمين والقرنفل حتى ان 80% من العطور الباريسية التي تتعطر بها نصف نساء الأرض خاماتها من ورود ورياحين جزر القمر.
لكن هذا البلد العربي العضو في جامعة الدول العربية منذ عام 1993 لم تذهب إليه من بلدان العروبة ال22 سوى سفارة عربية واحدة فقط.. وهؤلاء الناس الطيبون يستنشقون هواءً نقياً مئة بالمئة لأن المصانع والحضارة والإنسان المتمدن لم يلوث لهم أجواءهم بعد ويسعدون بحياة لا ينغصها منظر لشرطي يأمر وينهى بل انك لا تجد سيارة للشرطة في الشارع لأن الجريمة صفر لأن أهلها انقياء لم ينخرطوا بعد في السوق العالمية، هؤلاء الناس قد امتزجت أعراقهم وتصاهرت أجناسهم مع الأفارقة، فحينما تسأل أي فرد رجلاً كان أم امرأة من أين أصلكم ومنبتكم؟
يقولون بسعادة نحن من العرب، لكن العرب للأسف نسوهم وتركوهم رجالاً ونساء نهباً فرائس للفقر والمرض والجهل والبطالة، وفي وقت ذهبت عائدات الثروة النفطية إلى أسواق المال ولم يذهب مليون دولار واحد للاستثمار في هذه البلاد الجميلة والساحرة، كل مشروع هناك ينجح وكل عمل إنساني لا يضيع عند الله تعالى، والإنسان القمري عربي ومسلم يعتز أيما اعتزاز بدينه وعباداته فتجده يسكن في بيت من الصفيح ويرد عليك بجواب سريع هل أنت تريد تغيير منزلك هذا بأحسن ؟
نعم لكن قبل البيت ابني لي مسجداً أصلي به.. فهؤلاء الأنقياء مع عسر الحال وصعوبة المنال لا تجد بينهم متسولاً واحداً يمد يديه للآخرين ولذلك فلا تضيع معهم أي هبة أو استثمار أو مشروع.
لذلك يعتز الإنسان أن مؤسسة عربية ذهبت إلى هناك هي مركز دراسات مشاركة المرأة العربية وأطلقت لهم برنامج التنمية العلمية والإنسانية الموجه لصالح المرأة في جزر القمر وكلفت ثلاث من سفيرات النوايا الحسنة هن شيخة إماراتية وإعلامية شهيرة وبطلة عالمية في الاولمبياد ذهبن إلى هناك ومشين بأرجلهن وسط القرى، وزرن المستشفى اليتيم وشبه المتقاعد عن الخدمة والذي وصفه صحافي أوروبي بأنه مستشفى نادر في العالم لأن وظيفته الوحيدة تنحصر فقط في إصدار شهادات الوفاة لنزلائه.. شاهدن الأجساد النحيلة والنساء اللائي يشكلن أعلى نسبة وفيات في العالم عند الولادة.
ترمى ثمار المانجو والأناناس في الطرقات لأنها فائضة ولا مصنع أو مخزن لها في وقت تباع العصائر الطازجة في أسواق العالم بأعلى الأسعار.. أخوة لنا في هذا البلد تنهش بهم جيوش الأمراض والعوز والحرمان من أية خدمات صحية بسيطة، فمن يتصور أن دولة عربية كجزر القمر ليس بها عيادة طب أسنان واحدة أو حتى طبيب أسنان واحد، وهكذا هي سلسلة المعاناة التي ذهبت من أجلها سفيرات النوايا الحسنة الشيخة هند القاسمي وليلى الشيخلي ونوال المتوكل ممن نذرن أنفسهن لتحسين شروط الحياة للمرأة في جزر القمر.
حملن معهن آمالاً يردن تحويلها إلى مشاريع هي مستشفى للولادة والأمومة وسكن داخلي لطالبات الجامعة اللواتي يتسربن من الدراسة بعد سنتين أو ثلاث لعدم قدرتهن على دفع تكاليف السكن وشرعن في بناء عيادات طبية ومركز لتدريب النساء على المهارات والحرف.
ويردن بناء دار للبنت اليتيمة هناك ويحلمن لهذا الشعب المسلم ونساءه أن يجدن مصنعاً يعملن به أو مشغلاً لخياطة ملابس للعراة وممن قسا عليهم الزمن، فهن انطلقن برسالتهن وشرعن في التنفيذ لكن تظل الدعوة لكل من يستطيع ان يعينهن على أداء المهمة، وان الله لا يضيع أجراً، والناس والدنيا من سره زمن ساءته أزمان.. فجزر القمر أفقر شعب لأجمل بلد يستحق منا العون ومد يد المساعدة لكن الناس في هذه البلاد يولدون بهدوء ويرحلون بهدوء دون ان يشعر بهم أحد.
كاتبة إماراتية
