جاءت لحظة الحقيقة التي طالما حذرت منها مصر‏,‏ فقد صدق الكنيست الإسرائيلي علي الحكومة الإسرائيلية الأشد تطرفا في التاريخ الإسرائيلي‏,‏ وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نيتانياهو رفضه الحديث عن دولة فلسطينية‏,‏ وبصورة فجة لا سابق لها قال إن الحكومة الجديدة سوف تتحرك لبلوغ السلام علي ثلاث جبهات‏:‏ اقتصادية‏,‏ وأمنية‏,‏ وسياسية‏.‏ ويتعين علي الفلسطينيين قبل أي أحد آخر أن يقرأوا الأحداث هذه بوضوح‏,‏ ودون أي خداع للنفس‏.‏

فعملية السلام تدخل نفقا مظلما عميقا‏,‏ ولا أحد يمكنه القول بيقين إذا ما كان سوف ينجو هذا اليمين الإسرائيلي أم لا‏.‏ ولذا فإن الفصائل الفلسطينية مطالبة الآن بالمصالحة‏,‏ والوحدة خلف أجندة مشتركة والتجاوب مع الجهد المصري المخلص‏.‏

ولعل الدرس الأول الذي يجب أن يستوعبه قادة الفصائل هو‏:‏ عدم نجدة إسرائيل والسماح لها بالتنصل من التزاماتها ومساندتها في الهروب من المواجهة مع المجتمع الدولي‏.‏ وهنا لابد من العودة إلي النصائح المخلصة والمتكررة لمصر علي مدي الأعوام الماضية‏,‏ واستيعاب التاريخ ودروسه‏,‏ فقد نادت مصر والقيادة المصرية دوما وبلا ملل مطالبة بعدم منح إسرائيل ذرائع للهروب من السلام‏,‏ والتذرع

بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام والتطوع لظهور الفلسطينيين في دور الجاني الذي يهاجم الإسرائيليين‏,‏ وإعطاء إسرائيل وآلة القتل الهمجية الإسرائيلية الفرصة لتبدو في دور الضحية‏!.‏

..‏ والآن فإن اللحظة الدقيقة تكشف عن ضرورة المصالحة العربية تجاوبا مع الرؤية المصرية‏,‏ ولن يكون أمرا عقلانيا أو وطنيا أن يشتبك بعض العرب مع مصر‏,‏ وأن يزايد علي دورها ورؤيتها العاقلة عوضا عن مواجهة الطرف الأساسي ألا وهو الاحتلال الإسرائيلي‏.‏

وهنا فإننا نتوقف لننعش الذاكرة العربية ونطالب الذين تشدقوا كثيرا بالتحريض ضد قوي الاعتدال‏,‏ بأن يكشفوا عن جهودهم من أجل إعادة إعمار لبنان وغزة‏.‏ فقد ذهبت المقاومة اللبنانية والفلسطينية مدفوعة بتحريض قوي الممانعة ـ إلي ساحات القتال ضد إسرائيل‏,‏ وتكبد الشعبان اللبناني والفلسطيني خسائر جمة دفاعا عن قضاياهم العادلة‏.‏

وفي لحظة تضميد الجراح ومعالجة آثار العدوان لم يجدوا إلي جانبهم سوي القوي العاقلة التي حذرت‏,‏ فهؤلاء وعلي رأسهم مصر قدرهم معالجة آثار الفوضي التي تخلقها قوي العدوان‏,‏ وحماقات الصغار الذين تغرهم اللغة العنترية‏,‏ وشهوة الاستعراض‏,‏ ولا يملكون الحنكة ولا الخبرة ولا رصيدا طويلا من المواجهة مع العدو الإسرائيلي ليروا النهايات أو الأسلوب الأحسن لحصار العدوان وتحرير الأرض‏.‏

..‏ علي أي حال فإن الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة‏,‏ بل وإسرائيل ذاتها تدرك جيدا أن السلام مساره يمر عبر مصر‏,‏ وأن أي محاولة للقفز علي دورها لن يكتب لها النجاح‏.‏ كما أن مصر قيادة وشعبا لن تسمح لأحد بأن يلحق الضرر بأي من الدول العربية‏,‏ وأنها لن تتخلي عن دورها خاصة إزاء قضية العرب الأولي حتي في ظل الاتهامات غير المسبوقة التي انهالت عليها من العدو والصديق‏.‏

والإجابة الحقيقية علي هذا السؤال المتكرر عن إصرار مصر علي دورها وقيادتها للعالم العربي هي باختصار مصر لا يمكنها ـ حتي لو أرادت ـ أن تتخلي عن دورها‏,‏ فهناك أدوار تفرض نفسها علي الدول القائدة والمحورية كمصر حتي ولو حاول الصغار بأقصي ما لديهم من قدرة علي الضجيج أن يصرخوا برغبتهم في القيام بأي دور‏.‏

ويبقي أن المسألة ليست أي دور والسلام‏!‏