إن أطروحة الحماية كإطار قانوني أو سياسي أو ثقافي قد جاء إلينا بفعل زيادة وتيرة التماس بين مجتمعات الكرة الأرضية وقدرة البعض منها على اختراق فضاءات البعض الآخر، ولربما فرض أجندته الثقافية أو السياسية.

ففي خضم التحولات الكونية العظيمة، والتي لم يعد تأثيرها مقتصرا في ذلك على جوانب مجتمعاتنا المادية بل أن توجهاتها السياسية ـ الثقافية باتت تشكل جزءا من اهتمامنا واتجاهاتنا وتوجهاتنا، بل أنه بات يمثل فضاء مشكلا لنسقنا القيمي وبالتالي محددا لأنماط السلوك والعلاقات القائمة في المجتمع.

وهنا لا بد لنا من الوقوف أمام حقيقة أن مفهوم الحماية في إطاره العام هو قبل أن يكون مفهوما وقيمة ثقافية هو ممارسة كونية لا تقتصر ممارستها على بني البشر بل أنها كعملية وآلية يشترك فيها الإنسان مع سائر مخلوقات الله، ولو أن الإنسان هو أكثر مخلوقاته انتهاكا لنظام الحماية الكونية في علاقته بالبيئة وثرواتها .

وفي علاقته بسائر المخلوقات الأخرى، كما هي في علاقته مع بني جنسه من البشر. ويمثل ذلك، أي نظام الحماية، نظاما لحماية النوع والمجتمع ليس فحسب من حيث الحماية من الانقراض وإنما من الدخول في حالة من حالات الفوضى والفناء.

ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن تجاوز الإنسان لحدود الحماية الكونية ولربما تدميرها كنظام وإطار حافظ، قد قاد نحو انقراض الكثير من المخلوقات وإلى تناقص بل تلاشي الكثير من الثروات الطبيعية، وإلى كل المذابح والمجازر التي سجلها التاريخ، الأمر الذي بات يمثل تهديدا للوجود الحياتي على هذا الكوكب.

وعند الحديث عن حماية الطفولة فإننا نقول إنها في ذلك تمثل جزءا من أطروحة أوسع هي أطروحة حقوق الإنسان، هذه الأطروحة التي في واقع أمرها ليست متجذرة كقيمة وممارسة في مجتمعاتنا العربية.

سواء أكان ذلك في ممارسات الدولة نحو المجتمع أو في ممارسات المجتمع نحو الدولة أو في ممارسات المجتمع نحو المجتمع بل أو في ممارسات الدول نحو بعضها البعض. فالقوة الخارجة عن حدود الضبط الأخلاقي والقانوني هي قوة منفلتة تُخضع من هم تحتها لأشكال متعددة من العنف، وهو عنفا لا يبدو أن الاتفاقيات الدولية والقوانين المحلية قادرة على ضبطه فكيف يكون أمر إيقافه، هذا الأمر الذي لا يأتي إلا عبر عقلنة القوة لا تمركزها.

و رغم أن حماية الضعيف هي قيمة إنسانية عامة سمت بها كل الأديان السماوية والكونية، إلا أن تجذرها في الممارسة العملية للأفراد والمؤسسات بات متآكلا هشا لأسباب ومتغيرات متعددة.

بعضها ذو علاقة باحتدام الصراع على مركب القوة وتأرجحه في علاقات الداخل في المجتمع العربي، كما أن بعضها الآخر ذو علاقة بحالة الافتراس الذي باتت قوى العولمة تخضع له المجتمعات والجماعات الأضعف في هذا العالم. بل باتت قوى العولمة منتهكة في ذلك عالم الخصوصية للأفراد ومشوهة لهويات الجماعات ومركبها الاجتماعي والثقافي والسياسي. وباتت ما تحمله لنا وسائط الاتصال الحديثة من مضامين ثقافية ولربما ترفيهية مهددة للهوية وكاسرة لجدار الأمن التقليدي الذي نشئنا عليه.

من ناحية أخرى فأن الانهيارات المالية التي شهدها العالم خلال النصف الثاني من العام الماضي قد ضربت أول ما ضربت في الدول الجماعات الأضعف في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وهي حالة باتت تقود نحو المزيد من الفقر والتشرد ولربما قد تقود لحروب على مصادر الثروة حول العالم. وهي حالة رغم أن ضررها شاملا إلا أنه أكثر بيانا ووضوحا في عالم الطفولة والذي سيشهد مزيدا من التشرد والتسكع والدخول المبكر إلى عوالم الرجال المكفهر ولربما عالم الجريمة الموحش.

إن مقاربة أطروحة الحماية لا يمكن لها أن تكون فحسب في شقها القانوني دون جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية. فالمجتمعات العربية قاطبة تقريبا قد انشغلت خلال العقد ونصف العقد الماضيين بمحاولة تحديث أنظمتها القانونية بحيث أن تتفق مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة والطفل.

إلا أن هذه المقاربات القانونية في عموم المنطقة العربية تواجه تحديدات بعضها مؤسساتي، أي عجز المؤسسات القانونية عن مد ترسانتها القانونية لتأخذ مداها على الواقع.

وبعضها الآخر ثقافي ـ اجتماعي من حيث أن مجتمعاتنا العربية لازالت تعتقد أن قوة السلطة هي قوة لا يمكن حدها أو ترويضها. فالسلطات القضائية والأمنية قد لا يكون بإمكانها وقف إيذاء الطفل من قبل والديه أو الأسرة الكبيرة، لاعتقاد المجتمع من أن الفضاء الأسري هو فضاء خاص لا يمكن اختراقه من قبل السلطات الأخرى وأن تجاوز حدود القانون في تعامله مع أفراده.

فجرائم الشرف والإدخال المبكر للأطفال في سوق العمل وتعريضهم للأذى والتشرد، هي في بعضها قيم مقبولة اجتماعيا في بعض المجتمعات العربية وإن بدت لا أخلاقية أو لا قانونية في نظر السلطات الأخرى. وهي حالات عجزت أنظمة الحماية القانونية الحديثة عن اختراقها أو إحداث قدرا من التغيير فيها.

و ليس سرا القول أن الكثير من دول منطقتنا العربية، وتماشيا مع المتطلبات الدولية قد قامت بتحديث تشريعاتها المحلية بالصورة التي تتسق في هذا مع الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة. إلا أن تبقى الحقيقة أن تحديث المنظومة القانونية لم يواكبه تحديث آخر على الواقع. وأن اختراق مثل هذه القوانين والتشريعات لا يتم فحسب من قبل جماعات القوة وتضامنيات الداخل وإنما من بعض الأفراد ولربما المؤسسات القائمة والمعنية بتنفيذ مثل هذه القوانين.

و بالوقوف عند المقاربات الثقافية، نقول أن قضية حماية الطفولة هي قضية من منظومة أكبر وأشمل هي منظومة حقوق الإنسان، والتي رغم تعهدات المنطقة العربية باحترامها إلا أن اختراقها غالبا ما يكون سهلا ومتكررا ويعكس هذا السجل العام لحالة الحماية الإنسانية(أي حقوق الإنسان) في المنطقة العربية.

بل أن مثل هذا الاختراق بل لنقل الانتهاك قد بدا واضحا في حالة دول مثلت أطروحة حقوق الإنسان أحد أهم فضاءاتها السياسية وأحد أهم أطروحاتها للتحديث في المنطقة العربية.

فمثلا مثلت ممارسات الولايات المتحدة الأميركية وعملياتها العسكرية في العراق وأفغانستان وممارساتها في جوانتنامو نيلا كبيرا من مصداقيتها في مجال الحقوق الإنسانية على الصعيد الدولي.

بمعنى آخر أن مسالة الحماية وحقوق الإنسان قبل أن تكون معاهدات واتفاقيات دولية ونصوص قانونية في الداخل هي فضاءات ثقافية تحكم ممارسات السلطات والمؤسسات والقائمين عليها، كما هي فضاءات حاكمة لسلوك الأفراد وتوجهاتهم نحو الجماعات الأضعف في المجتمع كالأطفال والنساء وغيرهما.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com