إنهاالحقيقة المؤلمة التي يجب، نعم يجب، أن نستوعبها إن أردنا الخروج من كوارثنا العربية الراهنة. المشهد السياسي العربي اليوم أقرب ما يكون للمشهد إبان عصور «ملوك الطوائف». فنحن أمام خيارين: إما تضييق فجوة الاختلاف وإيقاف الحروب والمنافسات السياسية بين بعض الحكومات العربية وبالتالي فتح صفحة جديدة وحقيقية من التعاون أو استمرار الضعف العربي والانهيار أمام قوى إقليمية جديدة تستثمر في الضعف العربي وتعميق انقسام العرب.
ولو صدقت النوايا وتمت مواجهة حقيقية وصادقة لأزمات العالم العربي لرأينا واقعاً عربياً مختلفاً أكثر إيجابية وأصدق استشرافا للمستقبل.
وهنا يكون التحدي. كيف نبدأ فعلاً في برنامج مصالحة حقيقي ينطلق من إيمان أكيد بأهمية التوافق والتعاون العربي العربي ليس فقط لإشكالات الراهن ولكن أيضاً ـ بل وأكثر أهمية ـ لمستقبل الأجيال العربية القادمة؟ ليس صحيحاً أن قدر كل جيل عربي جديد أن يرث أعباء الأجيال التي سبقته وأخطاءها على أصعدة السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. ولهذا يكون الظرف العربي الراهن «فرصة تاريخية» جديدة أمام العرب.
فثمة خطاب سياسي جديد في واشنطن يفتح أبواب الأمل أمام فهم أميركي جديد، واقعي ومنطقي وليس فيه لغة غرور أو موقف فوقي، ويمكن استثماره لصالح الملفات العربية الكثيرة المعلقة. والأزمة المالية العالمية الراهنة تسهم اليوم في إعادة حسابات المواقف وصياغة المشهد الاقتصادي العالمي القادم ودول العرب النفطية تستطيع لعب دوراً رائداً في هذا التوجه.
وأهم مما سبق، لقد وصل «الإحباط» في الوسط العربي إلى درجة لم تعد تطاق ولعلها فرصة ثمينة أن تستثمر المرحلة الحالية بتفكير جديد يعيد ترتيب سلم الأولويات العربية ويقدم التنمية الإنسانية الحقيقية على بقية الحسابات. إن العالم كله اليوم أمام حقائق جديدة كلها تؤكد أن مسار التغيير المنطلق بسرعة سيعيد تشكيل كل المشاهد وما الاقتصاد إلا أحدها.
أنظر في معالم التغيير من حولك، في التقنية التي في جيبك وهي المتغيرة باستمرار، في نمط حياتك، في سيل القنوات الفضائية المتدفق داخل منزلك، في ألوان الناس المحيطة بك، في جدول أعمالك وأسفارك، في كل ما يحيط بك. وتأكد أننا ما زلنا في بداية الطريق وأمامنا سيول أخرى من التغيير وما يرافقها من تحديات وصعاب. إنه عصر تحكيم العقل أولاً. نعم أولاً. وقبل أي شيء آخر. وواحدة من الخطوات المهمة هنا أن نلح على التفاهم العربي العربي.
فإن لم يسهم هذا التفاهم المرجو في دعم فرص التعاون بين العرب فعلى الأقل لعله يوقف هدر الجهود وتشتيتها في منافسات سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع. إن الوقت المهم اليوم هو الوقت الذي يصرف على التنمية الإنسانية، على التعليم والصحة وابتكار طرق جديدة لتحسين مداخيل الإنسان العربي وفتح نوافذ جديدة أمامه لرؤية بعض ملامح المستقبل. فما تصرفه بعض الحكومات العربية على مناكفاتها السياسية وفي ركضها العبثي من أجل أدوار «ريادية» في السياسات الإقليمية يمكن أن يدعم مشاريع تنموية عملاقة تخدم مستقبل الإنسان العربي.
وهذا ما يخلد الدور الريادي لتلك الدول ويؤسس لها الاحترام والتقدير أمام شعوبها وشعوب المنطقة كلها. ونحن هنا لسنا بصدد خطاب «قومي» فضفاض تناقضه أبسط حقائق الانقسام العربي على أرض الواقع. لا. ليس هذا الاتجاه. فلتبق كل دولة عربية على حدودها وأنظمتها و«خصوصيتها«!
لكن ما الذي يمنع أن يقيم العرب مشاريع تكاملية تخدم التنمية المرجوة عربياً؟ ما العائق أمام سكة حديد تربط بين البلدان العربية أو شبكة طرق منظمة وآمنة بين دول المنطقة؟ وما الذي يؤخر تنفيذ ما سبق أن أتفق عليه مثل سوق عربية مشتركة وعملة خليجية موحدة وأنظمة مشتركة تسهل الحركة وتشجع التبادل التجاري بين الدول العربية؟ وإلى متى يخشى الإنسان العربي أن تبقى قرارات القمم العربية التي تعنى بالاقتصاد والتنمية ليست سوى حبر على ورق؟
لا شيء يعيب فكرة «المصالحات العربية» ولكن السؤال الأهم: ثم ماذا؟ تصالح الزعماء العرب، وهذا خير وبركة ندعو الله أن تدوم طويلاً هذه المرة، لكن ماذا يهم المواطن العربي إن لم تنعكس هذه المصالحات على حياته ومستقبله؟
الحقيقة التي أدركتها دول حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي قبلنا هي أن التعاون الاقتصادي والثقافي يبقى أقوى من كل التحالفات والألاعيب السياسية. إنه عصر الاقتصاد ولا سبيل للبقاء إن لم تكن التنمية الإنسانية على رأس قائمة الأولويات. قمم عربية كثيرة للمصالحات وخلافات السياسة. وقمة يتيمة للاقتصاد، متى تصبح تنمية الإنسان العربي هي هم القمم العربية وجوهر أعمالها.. متى؟
كاتب ومستشار إعلامي
