لاخلاف علي أن الأمة العربية تواجه تحديات إقليمية ودولية خطيرة وجسيمة‏..‏ وأن طوق نجاتها يتمثل في التوصل إلي إتفاق بإجماع الرأي حول مصالحة عربية حقيقية ركيزتها ثوابت العمل العربي المشترك‏,‏ واعلاء المصالح العربية‏,‏ وعدم قبول تدخل أي قوي غير عربية في الشأن العربي‏.‏

وتقتضي المصالحة العربية الحقيقية الالتزام بميثاق جامعة الدول العربية‏,‏ وتنفيذ القرارات الصادرة عنها باعتبارها مرجعية العمل العربي المشترك‏,‏ والهادفة إلي تطويره وتفعيل آلياته في جميع المجالات‏.‏

هذه المعاني وغيرها بدت واضحة وجلية في أجواء عقد القمة العربية في الدوحة أمس‏.‏ وهي معان يبرر أهميتها البالغة طوق الأزمات والمشكلات التي تحدق بالأمة العربية والتي يتعين كسرها وصولا إلي حل هذه الأزمات وتلك المشكلات بما يحقق المصالح العربية‏.‏

وقد ظهرت إنذارات الخطر الداهم الذي يتهدد الأمة العربية‏,‏ بشكل سافر‏,‏ إبان الحرب الإسرائيلية الهمجية علي الفلسطينيين في غزة‏.‏ فبدلا من أن يتوحد الصف العربي لمواجهة هذه المخاطر‏..‏ تقافزت أجندات غير عربية لتشيع الانقسام في الموقف العربي‏..‏ وتدخلت مصالح إقليمية غير عربية لتحقق مكاسب علي حساب الأمة العربية وهو ماعمق الخلافات العربية ـ العربية‏.‏

وكان هذا تحديدا ماحذرت منه مصر‏.‏ وصدقت رؤيتها عندما تبين للجميع ان القوي الإقليمية التي حاولت اشاعة الانقسام وتعميقه‏,‏ عبر وكلائها في المنطقة‏..‏ لم تمد يد العون للفلسطينيين ولم تقدم دعما حقيقيا لقضيتهم‏.‏ وكانت مصر بإجماع الآراء هي من تصدي لوقف إطلاق النار‏..‏ ومن بادر لحشد دول العالم في مؤتمر شرم الشيخ لإعادة اعمار غزة‏.‏ وفضلا عن ذلك انخرطت مصر في جهود سياسية ودبلوماسية لتحقيق المصالحة الفلسطينية عبر الحوار بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة‏.‏

وفي الوقت نفسه عملت مصر علي تنقية الأجواء العربية‏,‏ وصولا إلي تحقيق مصالحة عربية حقيقية‏,‏ وتري مصر أن المصالحة العربية ليست مصافحة فقط‏,‏ بل يجب ان يسبقها مصارحة حقيقية تؤدي إلي تعهدات يلتزم بها الجميع‏,‏ تقوم علي الاحترام المتبادل‏,‏ وعدم تدخل دولة في شئون دولة أخري‏..‏ ووجود النيات الحقيقية لدعم العمل العربي المشترك ونبذ أي محاولات للمساس بأي قطر عربي في توجهاته أو قضاياه‏.‏وهذه المعايير الموضوعية التي ترسخ الالتزام بثوابت العمل العربي المشترك ودعم مؤسساته وفي مقدمتها الجامعة العربية‏,‏ هي طوق النجاة الحقيقي‏,‏ وحصن الأمان للعرب‏.‏

وهنا يتعين الاشارة إلي أن الأزمات والمشكلات تحدق بالعرب من كل صوب وحدب‏..‏ وليس أدل علي ذلك من الأتي‏:‏

ـ تدخل المشكلة الفلسطينية مرحلة خطيرة‏,‏ في ظل تولي القوي والأحزاب الدينية والقومية المتطرفة في إسرائيل للسلطة عقب فوزها في الانتخابات العامة الأخيرة‏.‏

ـ يواجه العراق احتمالات تفجر موجات عنف جديدة بعد مرحلة الهدوء النسبي‏..‏ وهو مابدا في الاشتباكات الدامية بوسط بغداد بين عناصر قوات الصحوة السنية وقوات عراقية وأمريكية‏.‏

ـ مشكلة السودان وأزمة دارفور ومذكرة توقيف رئيس السودان عمر البشير بكل ماتنطوي عليه من انعكاسات سلبية‏.‏

ومما لاشك فيه أن هذه المشكلات والتحديات التي تواجه الأمة العربية تقتضي مصالحة عربية حقيقية تعي حقائق هذه المشكلات‏,‏ وجسامة تلك التحديات‏..‏ ومايتعين إدراكه هو ضرورة تضافر الجهود العربية لدرء المخاطر التي تحدق بالأمة العربية‏.‏