الاضطرابات السياسية التي عصفت بتشيكيا خلال الأيام القليلة الماضية كانت متوقعة بالنسبة لهؤلاء الذي كانوا يراقبون الوضع السياسي عن كثب وهم كثر حتما.

أولا لأن هذه الدولة تترأس حاليا الاتحاد الأوروبي، وثانيا لأنها الدولة الوحيدة التي لم تصادق بعد على اتفاقية لشبونة، أو بتعبير أدق لم تنجز حتى الآن مشروع المصادقة. هذا يعني بالتعبير الأوضح أن هذه الدولة الصغيرة ذات التأثير الهامشي على مسرح الأحداث، باتت اليوم من خلال الاضطرابات الفريدة التي تحكم مواقف قادتها محط أنظار صناع القرار على ضفتي العالم، لأن بعضهم يعتقد بأن ما يجري في الساحة السياسية التشيكية هو بلا شك انعكاس لأهواء الشارع الأوروبي الشعبي، وقد يكون مقدمة لتطورات أخرى في المستقبل القريب.

ربما يبالغ هؤلاء في جرأتهم بخصوص حجم التأثير الذي يولوه لمجرى الأحداث في تشيكيا، لكن وقائع الصراع وتطوره التدريجي بيّنت أهمية المواضيع المطروحة على ساحة النقاش في هذا البلد وغيره. وهي بطبيعة الحال مواد باتت تشكل جوهر النقاش اليومي الذي نسمعه في الشارع العادي، لكن أيضا في المؤسسات الأوروبية الشاملة وأروقة الكواليس المرتبطة بها أو تلك التي تؤثر بها بين وقت وآخر.

ما بات واضحا منذ فترة، وهو ما كنا قد أوضحناه في مقالات سابقة، هو أن الصراع يتمحور في الوقت الحاضر على مسألة في غاية الأهمية، حيث إن بعض القوى السياسية التي تحاول أخذ زمام المبادرة من خلال تأثيراتها المختلفة، تأمل بفرض معادلة جديدة ستسعى من خلالها لإعادة تقويم المسار الذي سلكه مشروع التكامل الأوروبي حتى اليوم.

هذه القوى مازالت غير واضحة المعالم لأنها تعاني من مد وجزر في ما يخص عملية تكوينها التنظيمي، لكنها تبدو في كثير من الأحيان قادرة على التعطيل والتأثير، واثقة من المبادئ التي تؤمن بها، ومصممة على حشد أكبر التأييد الممكن لمشروعها البديل.

وقد يستغرب البعض وجود هكذا قوى في دول كانت، ولا تزال، تعتبر مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من ضمن أولوياتها الاستراتيجية بل ربما شرطا رئيسيا لضمان استمراريتها كدولة بعد انسلاخها عن المعسكر الاشتراكي المندثر. لكن التعمّق في النسيج الفكري والسياسي للقوى الفاعلة في تلك الدول يظهر بشكل واضح عمق التباين والاختلاف.

ويؤكد جدّية ما يمكن لبروكسل أن تواجهه في المستقبل إذا لم تبحث عن بدائل يتم اللجوء إليها في الأوقات المناسبة. هذا بلا شك سيلزم الاتحاد الأوروبي لإعادة تقييم مسألة الاستمرار بتوسيع دائرة صفوفه، خصوصا وأن مكانة هؤلاء الذين كانوا يندّدون دائما بسياسة فتح الأذرع والترحيب بدول المعسكر الاشتراكي السابق، ستتعزز كثيرا إذا رفضت بعض تلك الدول المصادقة على اتفاقية لشبونة.

ويبدو من خلال الأحداث التي تسارعت بشكل كبير خلال الأيام والساعات القليلة الماضية، أن تشيكيا تقف اليوم فعليا على تقاطع طرق حاسم ستتحدد من خلاله كثير من الأمور المرتبطة بمدى التزام هذه الدولة بمشروع التكامل الأوروبي، لكن أيضا فيما إذا كان هذا المشروع هو بالفعل المحور الحقيقي الذي ستتجمع حوله الدول الأعضاء مثلما أريد منه أن يكون.

ما بات واضحا في خضم الأحداث هو أن من أسقط الحكومة الائتلافية التي كانت تسعى للمصادقة على اتفاقية لشبونة لم تكن المعارضة اليسارية لوحدها وإن ساهمت بقسط كبير بذلك، لكن أيضا وهذا الأهم، التيار السياسي المحافظ المنشق عن هذه الحكومة والذي استكشف من خلال رئيس الجمهورية فاتسلاف كلاوس خطورة «التنازلات» الإيديولوجية التي بات الحزب الحاكم يقدّمها لمصلحة المصادقة على الاتفاقية المذكورة.

هنا في الواقع تكمن خطورة ما يجري في تشيكيا، لأن قادة أوروبا «القديمة» باتوا مقتنعين في قرارة أنفسهم، بأن ما آلت إليه الأوضاع هو تطور جدّي في عملية التكامل الشاملة لسببين رئيسيين: الأول لأن الآراء الناقدة لاتفاقية لشبونة والتي يتم التعبير عنها بشكل علني ومنظّم من قبل بعض القادة التشيك سيساهم بتعزيز شعور الريبة في مناطق أخرى من القارة ويهدد المشروع بأكمله.

والثاني لأن تطورا مثل هذا سيؤكد المخاوف التي نشأت منذ البداية حول قدرة الدول المنضمة حديثا لترؤس الاتحاد الأوروبي، أي بمعنى أدق فيما إذا كانت قادرة على تمثيل الجماعة في الأمور الحساسة وبالتالي عدم تنفيس آرائها الذاتية وإحراج المؤسسة ككل مثلما جرى في بداية فترة الرئاسة التشيكية في ما يخص الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة.

التجربة التشيكية ليست الأولى من نوعها حتما، فلقد سبق للاتحاد الأوروبي أن عانى من تجربتين مماثلتين. الأولى خلال العام 1993 في الدانمرك، والثانية بعد ثلاثة أعوام في إيطاليا. لكن كلا الحالتين السابقتين تؤشران للسيناريوهات المأساوية التي يمكن أن تتكرر في تشيكيا إذا لم يجد المسؤولون في هذا البلد ما يكفي من النضج السياسي لتأمين التضامن المطلوب.

وبالتأكيد فإن أهم ما يخاف منه الأوروبيون في الوقت الحاضر هو أن لا تؤثر التغييرات الحكومية في تشيكيا على السير الطبيعي لمجرى الأمور داخل البعثة الأوروبية. هذا أمر مهم جدا انطلاقا مما سبق ذكره عن مشروع المصادقة على اتفاقية لشبونة، لأن ما كان مأمولا من الرئاسة التشيكية قبل أن تتضعضع قيادتها هو أن تؤمن الإنجاز السلس لهذا المشروع لا أن تساهم أكثر بتعقيده.

من هنا، يحبس كثيرون في أوروبا أنفاسهم انتظارا لما ستتخمض عنه المشاورات السياسية بين الفرقاء المعنيين بخصوص شكل الحكومة الانتقالية التي ستكمل الرئاسة التشيكية للاتحاد، وفيما إذا كانت ستجنّب أوروبا آثار الأجواء المحلية المتوترة مثلما جرى خلال الفترة الأولى من مسارها.

إنه تحد فريد حتما لأن اختلاط الأوراق على الساحة التشيكية لا يبشر بسلام واعد.. على الأقل في المدى المنظور.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz