من الواضح أن قمة الدوحة، ما كان بإمكانها أن تشهد تطويب طيّ صفحة الخصومات العربية. مساعي تنقية الأجواء والعلاقات، لم تتحقق بعد كل شروطها اللازمة؛ على ما بدا. غياب الرئيس المصري، بخاصة، كان التعبير الأبلغ عن ذلك. العملية يلزمها المزيد من الوقت والمكاشفة، قبل أن تصبح طريق العودة سالكة.
لكن ما حصل يعزّز بل يرجّح الاعتقاد، بأن ورشة ترميم البيت العربي عازمة على مواصلة العمل لانجاز المطلوب واستكماله. غابت المقاطعة.
وكذلك أجواء المحاور. حلّ مكانها ما يؤشر إلى تنامي الإحساس بالحاجة إلى تماسك عربي مفقود؛ لا بدّ من استرجاعه وتفعيله. الدعوة إلى فتح صفحة جديدة، غلبت على خطاب القمة. ثمة ميل راجح باتجاه اللملمة. على الأقل وقف التدهور والقطيعة. فالتحديات كبيرة وكثيرة. الأمن العربي صار في دائرة الاستهداف. الاستدراك، صار ضرورة موجبة.
ما بدأ في قمة الكويت، وتعزّز في رباعية الرياض، ثم جرى تزخيمه أمس في قمة الدوحة؛ كله يشير إلى تزايد في درجة الاستجابة لمقتضيات اللحظة الراهنة. لم يكن هناك خيار آخر. البديل مزيد من النزف والتعرّض للأعاصير، العاصفة رياحها في المنطقة من كل صوب. روح التصالح التي سادت، تعكس حالة من الصحوة ولو المتأخرة، لما آل إليه الانكشاف العربي الخطير. الأمر الذي يفرض، كحدّ أدنى، ضبط الخلافات والتحكم بها. وفي ذلك أكثر من مكسب.
أقله أنه لا بدّ وأن ينعكس بصورة إيجابية على عدة محاور هامة. أبرزها الحوار الفلسطيني ؟ الفلسطيني، المزمع استئنافه بعد غد. تعزيز التقارب العربي من شأنه دفع الوضع الفلسطيني إلى مواكبة جو التفاهم العربي. كذلك، لا بدّ وأن يرتد مثل هذا المناخ على الوضع اللبناني، الذي يتقدّم نحو استحقاق الانتخابات، بحذر بالغ.
الحالة الأمنية سريعة العطب. والمعركة تحتدم على خلفية سياسية شديدة التوتر. أيضاً محور المبادرة العربية، التي تحاج إلى التزخيم؛ خاصة في هذا الوقت الذي تتسلّم فيه حكومة نتانياهو غير المسبوقة بتركيبتها العنصرية المتطرفة والقادمة على برنامج للإطاحة بأية فرص للتسوية. والأهم أن هذه الروحية المتواصلة على مدى ثلاث قمم وما بينها، من شأنها إعطاء قوة دفع إضافي لاستكمال عملية فتح الانسدادات في العلاقات العربية.
الرسالة من قمة الدوحة أن القابلية متوفرة والأرضية تبدو جاهزة، لنقلة جديدة في العلاقات العربية. صحيح حصل تأخير. الآخرون رسموا خرائطهم، بخصوص المنطقة؛ فيما هي لا تزال في مرحلة التصالح مع الذات. لكن لا بأس. أن يأتي رأب الصدع متأخراً خير من أن لا يأتي. شرط الثبات والاستعجال.
