نحمد الله لأننا نعيش في بلد أنعم الله عليه بالخير الوفير الذي عمّ شعبه وفاض حتى شمل الأشقاء في الدم والأخوة في الإنسانية وغمر المعمورة من أقصاها إلى أدناها، منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها هذه الدولة على أيدي الآباء المؤسسين وحتى اليوم.

وإذا كان هذا الخير من نعم الله الكثيرة علينا، فإن هناك نعمة أخرى نحن محسودون عليها، لا يدركها إلا أولئك الذين حرموا منها، تلك هي نعمة القيادة التي سخّرت هذا الخير لخدمة الوطن وأبنائه، في حين لم تفعل ذلك قيادات بلدان أخرى، كانت أكثر من الإمارات ثراء، وأسبق منها إلى النهضة والتقدم.

وأقدم خبرة بالعمل السياسي، عندما كانت الإمارات تخطو خطواتها الأولى نحو وضع البنية الأساسية للدولة الحديثة، وتخطط لمشاريعها في مجال بناء الإنسان والوطن، وتوفير المتطلبات الأساسية من مرافق تعليمية وصحية وسكنية وطرق ومواصلات، وما إلى ذلك من المقومات الأساسية للحياة العصرية الحديثة.

لا نقول هذا نفاقاً ولا تزلفاً، لأن قيادة الإمارات في غنى عن ذلك لأسباب كثيرة يدركها كل من ينظر إلى الأمور نظرة تأخذ في الاعتبار الأسس التي قامت عليها الدولة، والإرث التاريخي الذي تحمله، والدور الذي قامت به داخلياً وخارجياً، وإنما نقوله من باب وضع الأمور في نصابها وحتى لا يساء فهم ما نكتب أو نقول، لأن هناك من اعتاد الاصطياد في المياه العكرة، إما لتسفيه الآراء أو الانحراف بها عن مقاصدها، أو لاستعداء الآخرين على أصحابها.

جاء قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في مرحلة تاريخية كانت الأمة العربية فيها تعاني من خفوت وميض المد الثوري بعد تحطم الحلم العربي على صخرة نكسة الخامس من يونيو، ورغم الانكفاء الذي كان يسود تلك المرحلة بعد مرور أكثر من أربع سنوات على تلك الهزيمة التي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة.

وبعد فشل تجربة الوحدة المصرية السورية (1958 ـ 1961) جاء قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ليحيي الأمل في إمكانية إعادة تجربة الوحدة في إقليم آخر من أقاليم الوطن العربي مع اختلاف الظروف والمناخ السياسي والأسباب.

لكن هذا الحدث الذي استُقبل بكثير من الفرح والبهجة لدى الأشقاء والأصدقاء قوبل أيضاً بشيء من التشكيك من قِبَل البعض ممن تصوروا أن شعب هذه الأرض غير قادر على توفير عوامل النجاح لهذه التجربة، مرجعين ذلك إلى قصور في نضجه السياسي، وإلى عوامل كثيرة اعتقد هذا البعض أنها ستكون عائقاً أمام اكتمال التجربة، وستعمل على تقويضها وإفشالها مثلما فشلت تجارب وحدوية عربية سابقة رأى المشككون في نجاح وحدة الإمارات أنها كانت أكثر قابلية للنجاح من اتحاد الإمارات.

لكن اتحاد الإمارات أثبت أنه وُلِد حاملاً معه أسباب نجاحه بفضل إصرار حكام الإمارات وقادته المؤسسين، وبفضل إيمان شعب الإمارات بأن الوحدة هي البوابة الوحيدة لدخول عصر جديد يحقق لأبناء هذه الأرض أملهم في إقامة دولة عصرية حديثة تليق بطموحهم، دولة تسابق الزمن وتحرق المراحل لتعويض ما فاتها واللحاق بركب النهضة التي سبقتها إليها دول عربية ذات حضارة ضاربة في عمق التاريخ وتجارب سياسية متقدمة ونهضة تعليمية وعمرانية رائدة، لذلك تفاوتت النظرة إلى اتحاد الإمارات وتباينت من الإعجاب الذي عبر عنه المحبون لهذه الدولة من الأشقاء والأصدقاء ـ وهم ولله الحمد كثيرون ـ إلى الحسد الذي لم يستطع البعض إخفاءه، وهم ولله الحمد قليلون.

فإذا تجاوزنا هذا كله ولم نلتفت إلى الحاسدين وتقليلهم من المنجزات التي حققتها الإمارات خلال مسيرتها التي مرت بمراحل كثيرة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من نهضة حضارية وعمرانية واقتصادية أصبحت معها مضرب المثل في القدرة على قهر المستحيل والجرأة في اتخاذ القرار والتخلص من البيروقراطية التي تعيق العمل، إذا تجاوزنا هذا كله ووضعنا ما تحقق على ميزان العدل والإنصاف ربما وجدنا مبرراً لحسد الحاسدين الذين لم يتصوروا أن تتمكن دولة صغيرة حديثة عهد بالاستقلال من تحقيق كل هذه الإنجازات خلال هذه المدة الزمنية الوجيزة في عمر الشعوب والدول لتتحول إلى دولة عصرية تقدم النموذج الذي تتطلع إلى الوصول إليه شعوب ودول تفوق الإمارات إمكانات مادية وموارد مالية وكثافة بشرية.

ليس ثمة عمل كامل على الإطلاق، فالكمال لله وحده، لذلك لم تخل هذه المسيرة من بعض السلبيات التي لا نجد حرجاً في الاعتراف بها والتحدث عنها كخطوة على طريق تصحيحها، لذلك كانت الدعوة للشفافية والمكاشفة تأتي أحياناً من القيادة السياسية، وتأتي أحياناً من المهتمين بالشأن الوطني من كافة قطاعات المجتمع، ولا نعتقد أن الصدور قد ضاقت يوماً بمثل هذه المكاشفات إلى الدرجة التي أدت إلى نوع من التعسف الذي نشاهده في بلدان كثيرة يزخر سجلها بالانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.

ما يلفت النظر في الآونة الأخيرة هو هذه الحملة المتوالية من قبل الكثير من أجهزة الإعلام الغربية على وجه الخصوص، والتي تهدف إلى التقليل من منجز الإمارات الحضاري والإنساني والاقتصادي الذي كان يعتبر قبل شهور نموذجاً للنجاح يسعى الجميع إلى محاكاته، هذه الحملة التي بدت وكأنها منظمة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي هزت الأنظمة الاقتصادية في الدول الكبرى، وتأثرت جراءها كل الدول ذات الاقتصاد النشط، وكان طبيعياً أن تتأثر بها الإمارات أيضاً لأنها من أكثر دول المنطقة نشاطاً وحراكاً اقتصادياً إن لم تكن أكثرها.

لذلك نقول إن الذين يثيرون الغبار الآن محاولين التشكيك في متانة العلاقة بين إمارات الدولة هم نسخة طبق الأصل من أولئك الذين شككوا في نجاح الاتحاد عند قيامه مع اختلاف الظرف الزمني والمبررات، وإن الرد الوحيد عليهم هو ما جاء على لسان صاحب السمو رئيس الدولة في الحوارات الصحافية التي أجريت مع سموه مؤخراً، فليَمُتِ المشككون بغيظهم، لأننا نعرف جيداً أنهم لم يتوقفوا عن إثارة الغبار حتى لو هدأت العاصفة.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com