ستعقد القمة العربية العادية الحادية والعشرون اجتماعاتها في الدوحة يومي غد وبعد غد؛ هذه القمة استثنائية بكل معنى الكلمة وهي بحق قمة الفصل حيث ان بيدها أن تحسن من الحالة العربية أو أن تعزز من حالة ركودها.
تأتي هذه القمة والعالم العربي يعيش حالة من الفرقة والضعف الكبيرين أخرجته من دائرة النفوذ فيما يتعلق بقضاياه المصيرية والهامة وفتحت المجال لقوى إقليمية أخرى لتعزز قوتها ونفوذها على حساب مكانة الدول العربية التقليدية. فهي قمة الفصل التي ستحدد عنوان المرحلة القادمة للعالم العربي ودوله الرئيسية، فإما أن نكون أو لا نكون.
حالة الفرقة العربية والتمزق بين تيارات مختلفة هي هاجس المرحلة الحالية التي نتطلع أن تعمل القمة على تجاوزها من أجل استثمار الانفراج العربي الذي حدث في قمة الكويت الاقتصادية والوفاق العربي الجزئي الذي حدث في قمة الرياض المصغرة. التطلعات تسير نحو تحقيق وفاق عربي في هذه القمة يتمكن فيه العرب من تجاوز خلافاتهم والتعامل بروح جديدة مع المرحلة المقبلة. لقد كان لحكمة قادة عرب كالعاهل السعودي وحنكة الأمير الكويتي الدور الأبرز في العمل نحو ردم الخلافات العربية والتعامل بروح جديدة مع المرحلة الجديدة التي يعيشها العالم العربي.
لكن ما من شك أن هذه القمة ستواجه مجموعة من التحديات التي قد لا تساعدها على أن تحقق مرادها بأن تكون قمة الفصل. ولعل أهم هذه التحديات مرتبط بشكل أساسي بمستوى المشاركة العربية، فالحقيقة التي يجب أن ندركها بأن غياب أي رئيس عربي عن هذه القمة لاسيما أولئك الرؤساء الذين قد تكون لبلدانهم تحفظات نتيجة لخلافات قائمة مع دول عربية أخرى سيكون شعارا لعدم نجاح القمة في تحقيق الوفاق العربي وبالتالي فشلها في أن تكون قمة فصل.
عدم المشاركة من قبل بعض القادة قد تكون لأسباب مختلفة ولعل أهمها مثلاً حضور إقليمي غير مرغوب فيه في هذه القمة لاسيما من قبل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. يدرك المنظمون مدى حساسية مثل هذا الأمر بالنسبة للعديد من الدول التي من المفترض أن تجد القمة العربية داعمة لمواقفها في التعامل مع إيران كالبحرين والإمارات والمغرب ومصر.
هذه القمة هي قمة ردم الخلافات والتي يجب أن تعمل على تحقيق هذا الهدف وبالتالي لا يمكن لها أن تحقق هذا الأمر إذا ما وجدت مسببات تزرع مزيداً من الخلافات وتؤجج القائمة منها بدلاً من حلها.
عواصمنا العربية مفتوحة لكل رؤساء العالم لزيارتها والتباحث فيما يريدون التباحث حوله، لكن فلتكن أبواب قاعات اجتماعات القمة مغلقة غداً وبعد غد في وجه الآخرين ولتكن حاضنة لرؤساء العرب فقط لأنهم في مرحلة أكثر ما يريدون منها هو نجاح مصالحتهم والانفراج في علاقتهم وتعزيز الوفاق الجزئي والعمل نحو تحقيق وفاق أكبر يجمع الدول العربية جميعها حول الإيمان بضرورة العمل العربي المشترك بعيداً عن المصالح الآنية لبعض الدول العربية.
القمة ستعقد في قطر وهي الدولة المنخرطة كذلك في قائمة الخلافات العربية وبالتالي فهي بحاجة إلى العمل على إنجاح هذه القمة لتجاوز الخلافات العربية والنهوض بالعمل العربي المشترك لما فيه خير الشعب العربي. نعم أن هناك علاقات مودة واحترام ومصالح بين قطر وإيران لكن يجب أن لا تقف كل تلك الأمور في وجه نجاح هذه القمة، فقطر أمامها فرصة تاريخية من خلال هذه القمة كي تكون كما عودتنا نصيرة للعمل العربي المشترك.
حتى تصبح هذه القمة هي قمة الفصل بحق فإن عليها أولاً أن تكون قمة كل الرؤساء والقادة العرب، فعدم مشاركة واحد منهم يعني وبكل بساطة أنه مازال هناك شيء في نفس قيادة تلك الدولة مما يعرقل العمل العربي المشترك للسير إلى الأمام. وحتى تصبح هذه القمة قمة الفصل بحق فإنه يجب عليها أن تخرج باتفاق عربي مشترك حول ضرورة إعادة اللحمة بين الفلسطينيين وضرورة دعم كل السبل من أجل تحقيق تلك اللحمة ومساعدة الفلسطينيين على الابتعاد عن الاختلاف الدائر بينهم.
وحتى تصبح هذه القمة قمة الفصل بحق فإن عليها أن تضع آلية للتعامل العربي مع مسألة السلام في منطقة الشرق الأوسط. وحتى تصبح هذه القمة قمة الفصل بحق فإن عليها أن تضع آلية تجعلها طرفا مبادرا ومشاركا فيما يدور في المنطقة من أحداث وليس طرفاً متلقياً فقط. وحتى تصبح هذه القمة قمة فصل بحق فإن عليها أن توازن بين سوريا وأهميتها للعالم العربي وبين إيران وأهميتها بالنسبة لسوريا. وحتى تصبح هذه القمة قمة الفصل بحق فإن عليها أن تخلق آلية لتعزيز حالة الانفراج العربي والسير بها نحو مرحلة الوفاق.
كم هو جميل لو خرجت هذه القمة بمشروع قمم دورية مصغرة لبعض القادة العرب يجتمعون في إحدى عواصم الدول العربية كتلك القمة المصغرة التي حدثت في الرياض مؤخراً. مثل هذه القمم المصغرة تمثل آلية رائعة لتقريب وجهات النظر ولتوثيق العمل العربي المشترك.
وكم سيكون جميلاً لو أن هناك قمة دورية تعقد كل سنتين مثلاً بين قادة الدول العربية والدول الإقليمية المجاورة يتم من خلالها مناقشة الموضوعات ذات الأهمية بالنسبة لكل الأطراف.
كل الآمال منعقدة على أن تؤدي هذه القمة إلى تحسين العمل العربي المشترك في مواجهة التهديدات الخارجية التي تواجهه والتي لا تود له الاستمرار والنجاح.
جامعة الإمارات