أمام الحكومة العراقية مجموعة ضخمة من الملفات والالتزامات يحتاج تنسيقها وتصنيفها إلى وقت طويل قبل تحديد أهميتها في سلّم الأولويات .

والواقع أن كلا منها جدير بالتدافع للوقوف في بداية السلّم، ومن المتعب تعداد هذه الملفات فهي معروفة لدى الحكومة، ويعرفها الناس، ولكن كلها يقع في زاوية واحدة، وهي ( الفساد ) المستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها، من أدنى مستوياتها إلى أعلاها، والشأن نفسه يمتد إلى البرلمان والكثير من الوزارات، وهذا ما تعلن عنه لجان النزاهة بين حين وآخر .

وفي آخر مقال لوزير الداخلية العراقية، السيد جواد البولاني نشرته صحيفة شيكاغو تريبيون الأميركية ( الأحد ) إن وزارته أقدمت على طرد 62 ألفا من المنتمين لكوادرها بسبب قضايا تتعلق بالفساد . هذا في وزارة واحدة، فماذا في غيرها وماذا في غير الوزارات من المصالح العامة هذا الفساد هو أساس الكوارث، فهو كفيل بإفساد أي مشروع للإصلاح والانتقال بالبلد إلى ما يرتجيه من الحرية والعدالة والديمقراطية، وهو الفاعل المؤثر في نتائج الانتخابات المنتظرة، وما يترتّب عليها من تحديد ملامح المجتمع العراقي، مما يهم كل الكتل السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمع العراقي بأكمله، ويحمّل هذه الكيانات مسؤولية توجيه عناصرها إلى مراقبة هذه الآفة، والإعراب عنها دون خشية أو تردد، لغرض الحد من هذه الفوضى التي تأخذ الوطن إلى متاهات تفسد عليه كل مشاريع الإصلاح التي يحتاج إليها الناس.

حتى الأفراد والكيانات السياسية المناوئة والمعارضة للعملية السياسية ولمشاريع الحكومة، يتحمّلون مسؤولية إيقاف هذا النزيف الذي يفرغ البلد من حقوق أهله، ويجعلهم عرضة للابتزاز وضياع الحقوق، وارتباك المشاريع الإصلاحية . يبقى على الحكومة أن لا تتهاون في معاقبة المفسدين مهما كانت مراكزهم وانتماءاتهم، بل مهما كان حجم الفساد الذي أحدثوه، ومهما سلك من طرق، فالفساد واحد في كل وجوهه، قل أو كثر، وهو جدير بالعقاب.

وعلى كثرة مظاهر هذا الفساد، وتعذّر إزالته بجرة قلم وكأنه مكتوب بقلم الرصاص، يظل من الواجب تقديمه في سلم الأولويات كاستراتيجية متواصلة وطويلة الأمد في إعادة بناء الوطن على أسس العدالة والديمقراطية؛ وتأسيس آلية فعالة لمعالجة الموضوع وإبقائه تحت الرصد والملاحقة القضائية .

الرشوة وسوء الإدارة وفساد الضمير والاستئثار بمنافع المناصب والتحزبات وإيثار ذوي القربى والأصدقاء، ما زالت قائمة، وما زال المفسدون يمارسون عملهم بحرية في واقع التلكؤ في المساءلة والمعاقبة؛ وما زال الاحتماء بالأنصار من ذوي المراكز والكتل السياسية يشكل ثغرة واسعة، وصعوبة في تنفيذ القانون؛ وهو ما يقتضي الحزم واليقظة وعدم الخوف من كشف هذه الممارسات وإحالة المنتفعين منها إلى القضاء .

نُقل عن عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب ، السيد محمد ناجي؛ قوله : « إن العراق يواجه الآن طبقة جديدة من الفساد الإداري والمالي تختلف عن الطبقة التقليدية تتمثل في وجود عصابات منظمة تقوم بعمل خفي لا يمكن كشف جرائمها بسهولة وتأخذ شكلا سريا مغطى بالقانون وبأشكال عدة وفي مواقع مختلفة تهدف إلى الثراء الفاحش وكسب المال على حساب مصالح الدولة والشعب ».

ودعا ناجي إلى « إجراءات ميدانية لتطهير أجهزة الدولة من العناصر المتورطة في الفساد الإداري والمالي . وأشار إلى انه سيتم قريبا إقرار ثلاثة قوانين مهمة تتعلق بمكافحة الفساد الإداري موضحا أن هذه التشريعات تخص ديوان الرقابة المالية والنزاهة العامة والمفتشين العامين ».

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن ظاهرة الفساد تمتد إلى أطراف خارجية كان لها أثر بالغ على ما آلت إليه ظروف العراق، فقد نُقل عن المتحدث باسم الشؤون الخارجية بالحزب الديمقراطي إد ديفي «إن مسؤولين كبارا ومستشارين سياسيين مقربين من بلير تعمدوا التلاعب بالطريقة التي تقدم بها معلومات الاستخبارات لتعزيز قضية الحرب على العراق .

وهذا يعزز مسألة إجراء تحقيق عام وشامل ». وهذا يُفصح عن أن مسألة الفساد ذات أبعاد مترامية ومتداخلة، وكلها بحاجة إلى الإسراع في الكشف والمعالجة وتنظيف الساحة الوطنية مما يعتورها من آفات تهدد كيان العراق الجديد.

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr