لعلنا في مواجهة إحدى مفارقات العمل العربي المشترك.. فبعد أن أشاعت روح المصالحة التي بدأت مع القمة الاستثنائية في الكويت مناخاً من التفاؤل، ها نحن أمام قمة الدوحة والآمال لا أقول تتراجع، ولكن الأمر يبدو وكأن الأمة في حالة انتظار، والنتائج المرجوة ليست بحجم الآمال التي طال انتظارها!!
ربما يكون الأمر متعلقاً بأن «المصالحات» لم تتم خاصة بين الأطراف الرئيسية، وأن القضايا المعلقة بين دمشق والقاهرة أساساً مازالت كثيرة ومهمة، وأن جهوداً كثيرة لابد أن تبذل لكي يتجاوز الأمر مرحلة التهدئة السياسية ووقف الحملات الإعلامية وفتح أبواب الحوار، لكي يدخل الطرفان (ومعهما أطراف كثيرة في هذا الفريق أو ذاك) مرحلة جديدة يتجاوز فيها الجميع المرحلة السابقة بكل ما تركته من آثار في الجسد العربي المثخن أصلاً بالجراح.
وربما يكون الأمر متعلقاً بوجود رغبة (حقيقية هذه المرة) بأن يتعدى الأمر الصورة الشكلية التي تعودنا عليها في التعامل مع الخلافات العربية بالوصول بها إلى آخر مدى، ثم عودة الوعي في لحظة، وتبادل العناق والمصافحات، مع ترك أسباب الخلاف دون معالجة حقيقية، حتى يتفجر الموقف مرة أخرى !!.. هناك الآن على الأقل رغبة في تجاوز ذلك المنهج، وبحث القضايا موضع الخلاف، والوصول إلى رؤية مشتركة في التعامل مع القضايا الأساسية.. ومن البديهي أن يستغرق تحقيق ذلك بعض الوقت والكثير من الجهد، والأهم من ذلك توافر النوايا الصادقة لدى الجميع.
وربما يكون الأمر متعلقاً بإحساس عام بأن الأمر متصل بمناخ عام يسعى للتهدئة في المنطقة تقوده قوى عالمية (أميركا أوباما أساساً) وقوى إقليمية انتظاراً لحسم القضايا المعلقة والوصول إلى اتفاق يراعي مصالح كل الأطراف. ومن هنا فالأطراف العربية الأساسية تبدو في حالة ترقب وانتظار لما تسفر عنه عمليات التفاوض خاصة بين واشنطن وطهران. ويظل كل طرف عربي ممسكاً بأوراقه وتحالفاته انتظاراً لتسوية يكون فيها الطرف الحليف له هو المنتصر!!
لكن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يكون مطروحاً على كل الأطراف العربية هو: إلى متى نبقى في حالة انتظار، بينما العالم كله يتحرك في المنطقة دفاعاً عن مصالحه وإلى متى نبقى على هذه الحالة بينما الأخطار تحاصرنا من كل جانب وهل سننتظر حتى يحسم «الآخرون» مصير المنطقة ليكون نصيبنا فقط أن ندفع الفواتير.. فواتير الحرب وفواتير الصلح والتهدئة على حد سواء !
هل سينتظر العراق طويلاً وهو على مائدة التفاوض بين واشنطن وطهران، بينما تركيا تتقدم لتضمن نصيبها من أي صفقة، والعرب ـ والحمد لله ـ مازالوا يراقبون الموقف ويوزعون تحالفاتهم على هذا الطرف الخارجي أو ذاك، بدلاً من أن يكونوا هم القوة الرئيسية في مساعدة العراقيين على تأكيد وحدتهم واستعادة العراق ركناً أساسياً في منظومة العمل العربي الموحد
وهل سينتظر السودان طويلاً برئيس مطلوب للمحاكمة دولياً ومؤامرات تمضي في طريقها لتقسيم الوطن الواحد ألم يكتفي العرب بالانتظار الطويل حتى حدث ما حدث في الجنوب الذي أصبح على أهبة الانفصال، وحتى أصبحت دارفور أرضاً للمجازر التي ترتكبها كل الأطراف ويروح ضحيتها عشرات الآلاف من أشقائنا وهل كان مستحيلاً أن نتدخل بقوة أكثر لمساعدة الأشقاء على وقف المأساة ومحاسبة المجرمين وأليست هذه هي اللحظة المناسبة لوضع الإمكانيات العربية من أجل مصالحة وطنية داخلية تكون هي الأساس لإنقاذ السودان بدلاً من بيانات الشجب أو رقصات التأييد التي لن تؤدي إلى نتيجة
وهل ستنتظر فلسطين حتى تبدأ حكومة نتانياهو ـ ليبرمان الجزء الأخطر من مخططات إسرائيل بشن حرب «الترانسفير» لتهجير الفلسطينيين الصامدين على أرض 48، لتأخذ العرب والعالم إلى متاهة جديدة ينسى فيها الجميع مصير القدس والضفة، ويتوقف الحديث عن حل الدولتين.. أم أن الفرصة متاحة لوضع الإدارة الأميركية الجديدة أمام مسؤولياتها، لتحول ما تتحدث عنه إلى أفعال دفاعاً عن المصالح الأميركية نفسها قبل أي شيء !
وهل سننتظر حتى تضرب الأزمة الاقتصادية في عمق الوطن العربي، وتضيف الملايين إلى 17 مليون عاطل عن العمل يمثلون قنبلة موقوتة وباباً للتوترات الاجتماعية وانفجار الأوضاع.. أم نسارع في تطبيق قرارات قمة الكويت الاقتصادية ونسير على طريق التكامل الاقتصادي ونضع المال العربي حيث يساهم في التنمية والتقدم في الوطن العربي ويتمتع بالأمان بعيداً عن المخاطر التي تعرض لها في المؤسسات المالية الغربية
الحقيقة الوحيدة في هذا كله أنه لا أحد سينتظر انتظارنا العقيم!! وأن النتيجة المنطقية لغياب التوافق على استراتيجية عربية للأمن القومي بكل أبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية، هي أن نستعد لدفع فواتير اتفاق «الآخرين» بعد دفع فواتير حروبهم.. ولا بأس عند الدفع من تكرار الحديث عن «المصالحة» و«الممانعة» و«الاعتدال»، ولا بأس من التعلل بأننا مازلنا في مرحلة «إذابة الجليد» أو البحث في آلية لإدارة الخلافات بين الأشقاء، انتظاراً للوصول إلى رؤية مشتركة مازالت ـ للأسف الشديد ـ لا تحضر القمم العربية.. أو ربما لا تدعى لها !!
كاتب صحفي مصري