في الحياة اليومية للناس في كل مكان كما في السياسة التي تحكم عالمهم، ما من عنصر يملك التأثير الحاسم مثل ما تملكه «الأنانية». سواء تعلق الأمر بمجتمعات بدائية أم أكثر المجتمعات حداثة، تمثل «الأنانية» المحرك الرئيسي للسلوك والسياسات التي تقرر وبشكل حاسم مسار الأفراد العاديين والتاريخ أيضا.

لقد تم تلطيف «الأنانية» على أكثر من وجه، فإذا كانت السياسة هي الدفاع المستمر الذي لا يكل عن المصالح، فان المصالح ليست سوى تعبير ملطف لغايات محض «أنانية». ألا يقال إن السياسة «لا تعرف العواطف؟».

يمكننا تصور الأمر على نحو أكثر قربا إن طبقنا تلك المقولة على الحياة اليومية، فالحياة اليومية الخالية من العواطف تبدو مقابلا آخر للجحيم. في سنواتي الأولى في الصحافة، كنت منهمكا مثل أي صحافي شاب في التعاطي مع السياسة متابعة ومحاولة للفهم والتحليل. لكنني الآن وأنا أدون هذه السطور، اكتشف شيئا جديدا: لقد كنت في ذلك الوقت نزقا وعصبيا والنقاشات التي أخوضها تكرار لقناعات، وهذا قد يكون تعبيرا ملطفا عن مفردة «عقيمة».

ربما كنت شابا وافتقر للكثير من المعرفة والإلمام بالتاريخ وأسرار المراحل التي لا يكشف النقاب عنها إلا بعد حين.

لست وحدي في هذا، بل جيل كامل أشعر اليوم كيف أصبحنا نحن أبناء ذلك الجيل أكثر قربا وأكثر قدرة على خوض النقاشات وإبداء التفهم والمرونة والتروي في إصدار الأحكام.. نعم لربما اكتسبنا شيئا من الخبرة بحكم العمر والتجارب، ولعل هذا ما قادني إلى قناعتي الأولى حول تأثير الأنانية الحاسم: في الحياة اليومية والسياسة.

راح ذلك النزق وحل مكانه هدوء لا يستثيره شيء تقريبا، الآن أدرك أن ضيق الصدر والنزق والعناد كانت ملازمة لي فترة انهماكي تلك بالسياسة. كنت أتابعها مثل أي صحافي، لكن عواطفي كانت لا تزال مؤثرة في أحكامي واستنتاجاتي، وهنا بالضبط وإذ أدرك التغيير الذي طرأ علي (وعلى جيلي وأجيال أخرى) أجد نفسي أمام خصلة أخرى تمثل الوجه المقابل للأنانية أو مرتبطة بها عضويا أو هي إحدى ثمارها الأساسية: «انعدام الصبر».

وللحالمين من أمثالي، فإن التجارب التي روضتنا وغرست فينا خصلة «الصبر»، تبدو عملة مفقودة أيضا في هذه الأيام في الحياة اليومية كما في السياسة أيضا. ومثلما ذهب أولئك الذين يتحلون بالصبر في حياتنا اليومية، يفتقد العالم بشدة اليوم ذلك النوع من الزعماء المثابرين أصحاب الرؤى وبناة الأمم. من أين جاء التغيير؟ أظن أن خبراء علم «الاناسة» والنفسانيين هم أفضل من يقدم الجواب، وبالنسبة لي وعدا الرصد الدقيق لما يجري في مجتمع البحرين، لم أجد أكثر من تجربة شخصية عشتها منذ الشهور القليلة الماضية وحتى اليوم قرعت الأجراس بقوة في ذهني.

ففي البحرين التي أتذكر قبل سنوات، كان أطول مشوار في هذه الجزيرة الصغيرة يمكن أن يتم في نصف ساعة على الأكثر. لكننا اليوم أصبحنا نقضي نهارنا كله في الشوارع جراء اختناق مروري فوق الاحتمال. حسنا، ربما أن هذه ضريبة ندفعها لتحسين شبكة الطرق. لقد تحولت البحرين إلى ورشة كبيرة، فالحفريات والآلات الضخمة في كل شارع وطريق ،وبات الوصول إلى أقرب الأماكن يستدعي ما هو أكثر من وقت طويل نقضيه في الشارع. هذا ليس مهما بالنسبة لي، لكن السياقة أصبحت بالنسبة لي مختبرا لتلك الخصلتين، «الأنانية» و«انعدام الصبر».

لكن إليكم أسوأ ما في الأمر: أصبحت أطلق من الشتائم ما نسيه لساني منذ زمن واختفى من قاموسي منذ أمد بعيد.. الأكثر إيلاما أن السباب لا يتوقف بل ينطلق بأكثر من لهجة وأحيانا بالانجليزية ومعه أدخن لفافة تبغ اثر أخرى.. قبل يومين انتبهت وتساءلت بصوت مسموع: يا إلهي.. ماذا يجري لي..؟ هل هو إنسان آخر بداخلي يطلق كل هذه الشتائم؟.

هكذا، وجدت مخزن الصبر في نفسي ينفذ أمام أنانية السائقين ونفاذ صبرهم فأصبحت جزءا من المشهد، فهل يعد هذا قدرة على التأقلم أم ترديا نفسيا؟ لكن التأمل أخذني إلى مكان آخر، فإذا كنا نحن الذين نعيش في مجتمعات حداثة وعولمة نفقد خصلة الصبر على هذا النحو السريع، فكيف بأولئك الذين يعيشون بالحد الأدنى من شروط الحياة في مجتمعات وبلدان أخرى في مختلف أنحاء العالم؟ لقد تراقص الجواب في ذهني: أولئك ضحايا أنانية حكامهم وقادة دول أخرى طامعة في أرضهم أو ثرواتهم (المصالح). نصف العبارة الآخر: ليس علينا سوى إحصاء مظاهر انعدام الصبر لديهم: ثورات، تمرد ومعدلات عالية من الجريمة وكل أشكال العطب. أيا كان، فالثورات والتمرد والجرائم قد تدلنا على تفشي الأنانية، أنانية الحكام والنخب من كل نوع.

ما يؤسفني هو أن جهاز تشغيل الأقراص المدمجة والراديو معطل في سيارتي، فلطالما كانت الموسيقى سلواي الأولى والأخيرة، هكذا ضحكت أخيرا عندما استنتجت في سياق هذا التحليل الذي أداره عقلي في ساعة انتظار في شارع مزدحم إلى أن العالم يحتاج لموسيقى تروض ميول الأنانية وانعدام الصبر والجشع فيه. لكن الموسيقى ستبقى عامل تلطيف ومحفزة للخيال، والعالم يحتاج لما هو أكثر من الملطفات والمهدئات.

عالمنا يحتاج إلى معجزة ولربما كارثة تماما مثلما هم الناس الذين يبرهنون دوما إنهم بحاجة لكارثة لكي يستيقظوا قليلا ويطرحوا أسئلة صغيرة كان يتعين طرحها منذ زمن قبل أن يدفعوا بعضهم دفعا إلى الخصومات بكل إشكالها ويحولوا حياتهم إلى سياسة خالية من العواطف.. أي المقابل الآخر للجحيم.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com