القمة العربية العادية، الحادية والعشرون، التي تبدأ أعمالها غداً في الدوحة؛ تاريخية بامتياز. ليس فقط بجدول أعمالها، المزدحم كما لم يكن من قبل، بالملفات والهموم من العيار الثقيل والفاصل. ولا بظروفها، الإقليمية والدولية، المفتوحة على تغييرات هائلة؛ فحسب.
بل أيضاً وأساساً ببند مهم وحيوي، يتوقف عليه مدى قدرة وفعالية الوضع العربي، إذا لم يكن على المواجهة فعلى الأقل لتقليل خسائره ووقف نزفه الداخلي: بند نبذ الخصومات العربية، بعد الآن. ترسيخ ما بدأ في قمة الكويت الاقتصادية، ثم ما تبعه في قمة الرياض الرباعية؛ بات العنوان الطاغي لهذه القمة.
ترجمة هذا العنوان، حدّ أدنى. لكنه في ضوء الخسائر التي راكمتها الانقسامات والشروخات، لا يقل عن انجاز تاريخي. بأقل من مثل هذا التأسيس لمرحلة عربية جديدة واعدة، لا تقوى هذه القمة أن تكون متميزة، كما هو مأمول منها. النجاح تاريخي. وكذلك عكسه. الخلافات العربية مزمنة. منابعها عديدة والكثير منها معروف. وهي أصلاً ليست غير اعتيادية. بل مفهومة ومتوقعة. بل هي باقية، بشكل أو بآخر، طالما أن هناك خصوصيات وفوارق. ضمور التضامن العربي وتفككه، لم يحصل كنتيجة لوجود الخلافات.
بل لأن هذه الأخيرة تحوّلت إلى خصومات ومحاور. غياب الآليات وصمّامات الأمان، ترك التباينات تتأزم وتتطور إلى شبه قطيعة؛ محكومة بقانون التصعيد. الأمر الذي أدّى إلى استبدال الأولويات. صارت سياسة المحاور تتقدم على سياسة التضامن. صار حسم الجولات الإقليمية، له الأولوية على الالتفات إلى الهموم القومية. الخسائر، تبعاً لذلك تضاعفت. من جهة ازداد انكشاف الوضع العربي عموماً.
ومن جهة أخرى، حصل استنزاف الإمكانات والموارد، في غير مكانها. ومع الوقت واحتدام صراعات البيت العربي، تعمّقت الشروخ. المصلحة العربية العليا، باتت مهدّدة في الصميم. مروحة التدهور، كبرت وتوسّعت. وكذلك مروحة الاستباحة. العدوان على غزة، كان أحد أبرز النماذج. ما شهدته القمم الأخيرة، من مبادرات وتجاوب واسع وطيّب معها، جاء ليؤشر إلى نوع من الصحوة؛ ليس لخطورة ما آلت إليه الأحوال فحسب؛ بل أيضاً إلى ما يمكن أن يكون اشدّ وأدهى، في المقبل من الزمن القريب.
فما من مرة استفحلت الأزمات وتكاثرت التهديدات، ناهيك عن زحمة الاستحقاقات؛ كما هي الآن. من الوضع الفلسطيني وحواره المعلّق، إلى الساحة العراقية المقتربة من مرحلة جديدة، فضلاً عن التطور السوداني وحساسية الوضع اللبناني. كله، بمواكبة توجهات جديدة ما زالت تتبلور، لإدارة أوباما، في المنطقة؛ كما بمواكبة تفاعلات الأزمة الاقتصادية ؟ المالية في العالم. القمة أمامها جدول غير مسبوق. لكن مهمة وضع حجر الأساس لصيغة تمنع تحوّل الخلافات إلى خصومات؛ تبقى الأساس.
