ليس من المبالغة في شيء القول بأن لبنان، بسماته وبخصائصه المميزة، وبديناميكيته وانفتاحه النشط على كل القوى والتيارات العربية والإقليمية والدولية، شكل دوما، ولا يزال يشكل، مرآة تعكس إلى حد كبير ما يعتمل في الساحة العربية وما تحمله من مؤشرات وتسير نحوه من تطورات في هذا الاتجاه أو ذاك. ولذا فإنه لم يكن غريبا ان يحظى لبنان باهتمام واسع وعميق من جانب كل القوى العربية والاقليمية والدولية التي تجد على ساحته نقاطا وخطوط تماس مع الكل أو على الأقل معظم القوى الأخرى.

وفي هذا الإطار فإن عودة الاغتيالات السياسية مرة أخرى إلى الساحة اللبنانية، وهو ما حدث أمس الأول من اغتيال اللواء كمال مدحت نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وعدد من رفاقه في مخيم «الميه ميه» في جنوب لبنان، تشكل أمرا من المهم والضروري التوقف أمامه، ليس فقط لأنه يعيد إلى الذاكرة اللبنانية أعمال الاغتيالات السياسية التي طالت رموزا سياسية وإعلامية من أبرزها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، ولا يزال لبنان لم يبرأ من آثار ذلك بعد، ولكن ايضا لأن توقيت عملية الاغتيال تلك تثير العديد من علامات الاستفهام، لبنانيا وفلسطينيا وإقليميا كذلك .

وإذا كان ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان آثر ان يتريث في توجيه الاتهام إلى جهة ما، تاركا الفرصة للأمن وللتحقيقات اللبنانية لتقوم بدورها الموثوق به في هذا المجال، فإنه وبغض النظر عن قيام جهات محددة بتوجيه الاتهام إلى اسرائيل بالضلوع في عملية الاغتيال، فإنه من الأهمية بمكان التأكيد على ان عملية اغتيال نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان يستهدف بالدرجة الأولى محاولة اعادة خلط الأوراق على الساحتين اللبنانية والفلسطينية في هذا الوقت بالذات.

فلبنان الذي يستعد للانتخابات النيابية القادمة، والذي فتح سفارته في دمشق قبل أيام، يتوق إلى الحفاظ على أمنه واستقراره قبل الانتخابات القادمة وخلالها، وبعدها أيضا، ومن ثم فإن تلك العملية قد تكون لها علاقة ما بمحاولات افتعال بعض المواجهات المسلحة، سواء بين عناصر مسلحة وعناصر فلسطينية، في هذا المخيم الفلسطيني أو ذاك في لبنان والتي حدثت في الآونة الأخيرة، وقد تكون في ذاتها محاولة لهز الاستقرار في لبنان أو التمهيد لذلك سعيا للتأثير في الحوار الوطني اللبناني ــ اللبناني من ناحية، وفي المناخ الذي يمهد للانتخابات النيابية اللبنانية القادمة من ناحية ثانية.

وبالنسبة للساحة الفلسطينية فإنه من غير المستبعد ان تكون عملية الاغتيال تلك محاولة لقطع الطريق امام الحوار الفلسطيني الذي كان من المقرر ان يستأنف اليوم بالقاهرة، خاصة وأن هذا الحوار يقترب من التوصل إلى اتفاق بين حركتي فتح وحماس حول تشكيل حكومة وفاق فلسطيني والتغلب على معظم ان لم يكن كل المشكلات الأخرى بين فتح وحماس لاستعادة المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتسم بأهمية بالغة خلال هذه الفترة تحديدا.

على أية حال، فإنه من المؤكد ان اسرائيل هي المستفيد الأكبر من حدوث ذلك، فضلا عن ان أي توتر في الساحة اللبنانية أو بين الفصائل الفلسطينية يخدم أهدافها على الساحتين اللبنانية والفلسطينية.

وفي ضوء ذلك فإنه من المهم والضروري، سواء بالنسبة للفصائل الفلسطينية، خاصة في المخيمات الموجودة في لبنان، أو بالنسبة للقوى اللبنانية والعربية ان تعمل على نحو جاد ومكثف من أجل الحفاظ على استقرار لبنان والحيلولة دون عودة الاغتيالات السياسية أو أي نوع من المواجهات المسلحة على أراضيه لأن ذلك يصب بالتأكيد في مصلحة لبنان والفلسطينيين والعرب والاستقرار في المنطقة ككل. اما من ارتكبوا عملية الاغتيال فإن التحقيقات ستكشفهم في النهاية.