بتاريخ 31 مارس الحالي ستشهد مدينة لاهاي الهولندية مؤتمرا دوليا موضوعه «أفغانستان». البند الأول والأساسي، وربما الوحيد فعليا، على جدول الأعمال هو «كيفية مواجهة الوضع الأمني المتفجّر» في أفغانستان حيث يعزز مقاتلو طالبان يوما بعد يوم من نفوذهم. إن القسم الأعظم من مناطق جنوب وشرق أفغانستان هو حاليا، إلى هذه الدرجة أو تلك، تحت رقابتهم المباشرة.

ويأتي مؤتمر لاهاي في ظرف تقوم فيه إدارة الرئيس الأميركي اوباما ب«هجوم دبلوماسي» حقيقي يمكن أن تلخّصه بامتياز استراتيجية «اليد الممدودة». وهي «ممدودة» بالفعل في جميع الاتجاهات، إلى إيران وروسيا والصين وروسيا وسوريا وإلى حيث توجد نزاعات. والهدف دائما ثابت لا، ولن يتغيّر وهو استخدام هذه الإستراتيجية كأداة من أجل خدمة المصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية و«حلفائها».

وبشأن أفغانستان تندرج دبلوماسية «اليد الممدودة» في إطار توجّه إدارة أوباما نحو إجراء «تعديلات على الإستراتيجية الأميركية الخاصّة بأفغانستان وباكستان»، كما أكد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن عند زيارته مؤخّرا لمقرّ الحلف الأطلسي في بروكسل ل«التشاور مع الحلفاء حول التعديلات المقترحة». تتمثّل إحدى النقاط الأساسية في التوجّه الأميركي الجديد حيال أفغانستان في إمكانية الدخول بمفاوضات مع «المعتدلين من طالبان». فمن هم هؤلاء المعتدلون؟

لنترك تحديدهم لنائب الرئيس الأميركي نفسه إذ يقول: «هناك 5 بالمئة من طالبان لا مجال لفتح أي حوار معهم،والأفق الوحيد الذي ينتظرهم هو هزيمتهم. وهناك 25 بالمئة من طالبان لا يمكن، برأيي، الثقة كثيرا في عمق التزامهم بالتمرّد. يبقى هناك إذن 70 بالمئة. وبكل الحالات كل ما نفعله ينبغي أن يكون بمبادرة الحكومة الأفغانية. لكنني أعتقد أن هذا يستحق عناء الحديث لمعرفة إذا كان البعض منهم على استعداد للمشاركة في بناء دولة أفغانية مستقرّة وآمنة».

برنامج عمل كامل و«طموح» أوجزه نائب الرئيس في بعض الجمل. لكن السؤال الحقيقي هو معرفة مدى إمكانية تحققه على أرض الواقع؟

لا شك أن الملف الأفغاني معقّد،مثل بقية الملفات التي تتوجه يد أوباما «الممدودة»إلى المعنيين فيها.ولا شك أن المتشددين،أينما كانوا، لن يخفّوا ل«مصافحتها» بنيّة فتح حوار حيال مسائل شائكة عالقة.

لكن لا شك أيضا أن الأسلوب قد تغيّر،رغم الاستمرارية في صلب المواقف لنهج إدارة جورج دبليو بوش. لقد جرى فقط استبدال «السيف» ب«قفّاز حريري»، كما قرأت بمقال جميل لأحد الزملاء. وهذا ما عبّر عنه روبرت كاغان، الأميركي بالقول عن أوباما انه «يفعل تماما ما كان يفعله بوش،لكن العالم كلّه يصفّق له».

ومن الصحيح القول إنه إذا كان جورج بوش قد أثار «عداء العالم» ضده بأسلوبه الفظ والصادم وإملاء ما تريده واشنطن وكأنه «أوامر»، فإن أوباما عرف كيف يخلق مناخا جديدا،وليس هناك من يخطر له أن يعامله بنفس الجفاء الذي واجهه بوش؛ ربما باستثناء واحد حتى الآن تمثّل في الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الذي وصف الرئيس الأميركي الحالي أنه «رجل جاهل» وحري فيه أن «يتعلّم قليلا».

وإذا كانت الولايات المتحدة تفصح اليوم عن إرادة التحدّث مع المعتدلين من طالبان، فإن مثل هذا العرض كان قد صاغه رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون في شهر ديسمبر الماضي عندما طالب بالانفتاح «على أولئك الذين يرغبون من طالبان». ونفس السبيل حاول ولوجه قبل عام الرئيس الأفغاني حميد كرزاي. كذلك ما زلنا نسمع المطالبة الملحّة من كل صوب بضرورة العمل على تأهيل الجيش الأفغاني لتولّي مسؤوليات أكثر وأكبر.لكن هذه النغمة لا زالت تتردد دون جدوى منذ أكثر من ست سنوات. ولا حلّ يلوح في الأفق. فما يمكن للإستراتيجية الأميركية الجديدة أن تأتي به من جديد حيال أفغانستان؟!

في أفغانستان اليوم 70000 جندي يعملون تحت لواء الحلف الأطلسي وأكثر من نصفهم من الأميركيين. وقد أعلنت إدارة أوباما أنها سترسل قريبا 17000 جندي اضافي. لكن مع الحرص على أن لا تتحدث أبدا عن انتصار عسكري في أفغانستان،ذلك أنها ربما ترمي واقعيا من ذلك إلى تحسين الوضع العسكري ل«التفاوض» مع طالبان من موقع أقوى.

وبهذا السياق بالتحديد تحدّث أوباما في مقابلة تلفزيونية أخيرة له عن «إستراتيجية تؤدي إلى مخرج» في أفغانستان وليس «الخروج»، كما تردد، من أفغانستان على غرار العراق حسب جدول زمني.

ويتفق الجميع ويعلنون أن المسألة الأفغانية الشائكة لا يمكن حلّها بالقوّة فقط. بل هناك شبه اعتراف أن الحرب الأميركية ـ الإنجليزية التي بدأت عام 2001، ثمّ أخذت صفة حرب أطلسية رغم أنه ليس هناك واقعيا سوى بلدين أو ثلاثة بلدان أوروبية تساهم في المجهود الحربي «البشري» في أفغانستان، هي حرب خاسرة منذ عام 2002. وكابل وحدها هي التي جرى «تأمينها» عمليا،مع بعض التفجيرات بين حين وآخر.

وللتذكير، كان الرئيس السابق جورج بوش قد تحدّث هو نفسه عن «مشروع مارشال» للنهوض بأفغانستان على غرار الذي عرفته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.لكن ذلك المشروع بقي «فكرة ميتة» لم تتجاوز التصريحات «الاستهلاكية». لكن لعلّها الفكرة الوحيدة التي قد ينبغي على الإدارة الأميركية الجديدة الأخذ بها. فهذا هو مدخل حقيقي إلى الحل وإلاّ ستتحوّل المشكلة الأفغانية إلى معضلة مزمنة.

وزيادة عدد الجنود لن يكون في أفضل الحالات وأكثرها تفاؤلا سوى حلاّ «مؤقتا»؛ هذا إذا نجح في ذلك. الأكيد اليوم هو أن إستراتيجية أوباما في «اليد الممدودة» ونوايا أولئك الذين تتوجّه لهم لا زال يشوبها كلّها الغموض. روسيا أعلنت على لسان وزير خارجيتها قبل أيام في بروكسل موقفا «أكثر من متحفّظ» حيال توجهات الحلف الأطلسي. والرئيس ميدفيديف صرّح على الملأ أن بلاده ستستأنف سياسات التسلّح التي تليق بها كقوة كبرى اعتبارا من عام 2011.

وفي إيران قوبلت «دبلوماسية اليد الممدودة» بترحيب مشوب بالشكوك حول النوايا الحقيقية وراءها وبرسالة من أعلى المستويات للأميركيين مفادها «عليكم أن تغيّروا موقفكم وسوف نغيّر موقفنا».

وغموض في العلاقة مع الصين وفي التوجّه نحو سوريا. ما يُفصح عنه المشهد السائد هو أن الكل يتأمّلون والكل يترقّبون. وكل طرف يسبر نوايا «محدّثه». لا أحد مغفّل، لكن السياسة تسيّرها المصالح.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr