«إن ما آل إليه الوضع أيها الإخوة من تراجع وترد في الممارسة الديمقراطية، وما ترتب على ذلك من تداعيات باتت تمس ركائز ومقومات أمن مجتمعنا واستقراره، يجعلني أستشعر الخطر..».

كانت هذه بعضاً من الكلمات التي وجهها أمير دولة الكويت لشعبه ليل الأربعاء الفائت الثامن عشر من مارس آمراً بحل مجلس الأمة على إثر تقديم رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد استقالته، على أن يصار إلى إجراء انتخابات جديدة خلال ستين يوماً. ويترقب الشارع الكويتي مرسوم دعوة الناخبين وفتح باب الترشيح، خاصة أن الحديث يدور بأن ذلك سيكون مقروناً بتعديل الدوائر الانتخابية وإرجاعها إلى عشر دوائر بدلاً من النظام الحالي الذي يقسم الكويت إلى خمس دوائر والذي عمل فيه في آخر انتخابات أجريت في مايو الماضي من العام 2008.

وقد قدم ناصر المحمد استقالته بعد أن تأكد أن شخصه على وجه التحديد كان المستهدف من سيل الاستجوابات التي لم تكن تريد «العنب بل الناطور» ـ كما يقول مثلنا المشهور!! فرغم أن حكومته الخامسة بالكاد أكملت شهرها الثاني، إلا إنها جوبهت بسيل من الاستجوابات أغلقت عليه جميع نوافذ الحلول الوسط و«الترضيات» التي اتسمت بها إدارته طوال فترة بقائه في السلطة، والتي لم تدم مجتمعة إلا ألف ومائة يوم أو ما يقارب الثلاث سنوات تقريباً!!

وخلال هذه الفترة القصيرة تغيرت الوزارة مرات عدة فضلاً عن تعرض أكثر من وزير فيها للاستجواب (ومنهم وزيران من الأسرة الحاكمة) واضطرارهم إلى الاستقالة خشيت طرح الثقة. ولم ينجُ من هذه الاستجوابات إلا وزيرة التربية والتعليم العالي السيدة نورية الصبيح، التي وقفت ساعات طوال تفند حجج مستجوبيها، لتنال على إثره ثقة أعضاء المجلس.

ويرجع البعض سبب إخفاق الشيخ ناصر المحمد في إدارته لشؤون الوزارة إلى قلة خبرته في العمل السياسي بالذات تلك المتعلقة في التعامل مع مجلس الأمة، بنوابه المنحدرين من مشارب سياسية متعددة فضلاً عن مصالحهم المتعارضة. فالشيخ ناصر المحمد إضافة إلى صفاته الشخصية المتسامحة، فقد أمضى شطراً مهماً من حياته عاملاً في السلك الدبلوماسي، منذ أن تخرج من جامعة جنيف في سويسرا في العام 1964 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في السياسة والاقتصاد. وقد أمضى فترة طويلة نسبياً سفيراً في طهران (1968 ـ 1979) وكان سفيراً محالاً لدى أفغانستان أيضاً، ولذلك فهو له إلمام جيد بالفارسية إلى جانب إتقانه الفرنسية والإنجليزية.

ومع احترامنا لهذا التفسير، فهو قاصر على استجلاء حقيقة ما يجري في الكويت من تطور سياسي، ومن تداعيات أوصلت الأمور إلى ما هي عليه. وفي ظل الأوضاع التي عاشتها الكويت ـ والتي نأمل أن تتخطاها ـ لم يكن ليستطيع كائناً من كان أن يدير دفة أمورها!! فتعثر حكومات الشيخ ناصر المحمد كان بسبب صراع داخلي بين أطراف متعددة كانت تجد حلفاء لها بين الكتل السياسية وبعض النواب المستقلين.

وهي فضلاً عن ذلك تبين محدودية النظام الديمقراطي في الكويت التي تتشكل وزارتها ليس بموجب الأغلبية الفائزة بقدر تشكيلها من بعض الشخصيات، حيث يراعى في البعض منهم أن يكونوا يمثلون التوجهات الغالبة!! وهذا ما يجعل الحكومة «منكشفة» في بعض الأحيان و«بدون ظهر»، كما نقول في اللهجة الدارجة.

والحق أن حكومة المحمد كانت تمتلك الأغلبية التي بموجبها كانت ستكون بمنأى عن طرح الثقة، إلا أن مسألة استجواب رئيس الوزراء ووقوفه على المنصة كانت ستكون سابقة لم يكن المجتمع الكويتي مهيأ لها بعد، خاصة أن الكتل السياسية وبعض النواب المستقلين بدأوا بالتسابق لذلك من باب التكسب السياسي ليس إلا!! ولعل فصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء ـ التي دشنها الشيخ ناصر المحمد ـ قد فتحت الباب واسعاً لاستجواب رئيس الوزراء، وتأتي التطورات الجديدة لترجع الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً.

والواقع أن أحداً لا يتوقع أن يتغير المشهد كثيراً بعد الانتخابات القادمة، إلا إذا فشل «نواب التأزيم» في الفوز بالكرسي النيابي ثانية، وهؤلاء النواب، إما شعوبيون يدغدغون عواطف الجماهير، حيث يلقى خطابهم صدى في هذا الظرف الصعب اقتصادياً.

أو إنهم من التيارات الدينية ذات التنظيمات القوية التي نمت على فترة الثلاثة عقود السابقة والتي لها قواعد ملتزمة، وهي تخترق الحضر والقبائل على حد سواء. أما العناصر الليبرالية ـ التي وقفت مع حكومة المحمد، والتي باتت تميل إلى الاعتدال ـ فحظها ضعيف بأن تزيد من عدد ممثليها الذين لم يتجاوزوا الأربعة أو الخمسة في المجلس الأخير مع بعض المستقلين من المعتدلين!!

وعلى ذلك، فمستقبل الحياة النيابية والديمقراطية برمته غامض، فلو تكرر المشهد الذي عاشته الكويت ثانية فيسكون ذلك برهاناً ساطعاً للقائلين بضرورة حل المجلس حلاً غير دستوري إلى «أجل مسمى» أو ربما إلى «أجل غير مسمى». وهذا ما لا يتمناه العقلاء، الذين يرون أن إمكانية تطوير التجربة الديمقراطية في الكويت قائمة خاصة انها قاب قوسين أو أدنى من إتمامها لنصف قرن من عمرها.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com