بابا الفاتيكان يتعرض هذه الأيام لحملة انتقادية في صحافة الغرب المسيحي نفسه، لا لأنه أتى فعلاً أو قولاً يناقض تعاليم المسيح عليه السلام.. على العكس تماماً.. لأنه أخذ يذكّر الناس بما انطوت عليه رسالة عيسى بن مريم من نواح سلوكية من بينها تحديداً تحريم الإباحية الجنسية.

أكمل البابا جولة دينية شملت عدداً من البلدان الأفريقية ليخاطب ملايين المسيحيين الأفارقة بشأن حظر انتشار وباء الإيدز وكيفية التعامل معه من المنظور الديني، وفي كل محطة كان يخاطب الحضور بتحذير مفاده أن استخدام «الواقي الذكوري» ليس الوسيلة المثلى للوقاية من الإصابة بهذا الداء الجنسي القاتل، الوسيلة المثلى هي التحصين الأخلاقي المبني على التعاليم الأخلاقية المبنية على التقوى والتي تتمثل في الاستعفاف..

بمعنى ألا يمارس الرجل أو المرأة الجنس خارج إطار الزواج، بكلمات أخرى.. أن يلتزم كل رجل وكل امرأة بمبدأ تحريم الزنا وتحريم ممارسات الشذوذ الجنسي وفقاً للقيم الأخلاقية للديانة المسيحية وديانات أخرى سماوية ووضعية.

استخدام الواقي الذكوري هو المرتكز الأساسي لإستراتيجية محاربة وباء الإيدز في الدول الغربية، لكن هذه الاستراتيجية لا تتضمن مضي الناس على تجنب الممارسات الجنسية الخاطئة. بل إن أي اتجاه في هذا الصدد يواجه بهجوم إعلامي شرس ـ على نحو ما جرى للبابا، لماذا؟ هنا تتكشف لنا حقيقة معتّم عليها..

وهي أن المعايير الدينية للسلوك الأخلاقي في الغرب قد تلاشت لتحل محلها معايير النظام الرأسمالي التي تقوم على تقديس الكسب المادي والربح بغض النظر عن طبيعة الوسيلة، أجل.. مكافحة انتشار وباء الإيدز لها أولوية عليا لدى الحكومات والمجتمعات في الغرب. كما أنه لا ينبغي أن ننكر دور مؤسسات غربية في توسيع نطاق هذه المكافحة على مستوى عالمي.

ولكن المعادلة الغربية المعتمدة في هذا الصدد تقضي بعدم السماح للحملة بأن تؤثر سلباً بأي وجه من الوجوه على اعتبارات السوق الرأسمالية ـ وفي مقدمة هذه الاعتبارات تشجيع انتشار الإباحية الجنسية، وهنا نتساءل: كم من الصناعات سيكون مصيرها الإغلاق والإفلاس أو تقلص نشاطها التجاري الربحي لو استجاب مئات الملايين من المسيحيين في الغرب وخارجه مع دعوة البابا إلى الاستعفاف ابتداءً من صناعة الدعارة والشذوذ مع ما يتبعها من صناعة الخمور وصناعة السياحة وصناعة الأفلام السينمائية والتلفزيون..

بل وصناعة الإعلان التجاري والعلاقات العامة المرتبطة بهذه الأنشطة؟ وكأن الرسالة الرأسمالية المضادة لرسالة البابا الدينية تقول للناس: لا تتوقفوا عن ممارسة الإباحية الجنسية بكل أشكالها. فلكم في الواقي الذكوري خير وقاية من الإيدز وغيره!

opinion@albayan.ae