مع تزايد وتيرة التأثيرات السلبية للأزمة المالية العالمية اتجهت الكثير من الدول لأخذ سياسات حمائية اقتصادية في ضوء التدهور الكوني المالي الحالي.
فمن الملاحظ أن كل الإجراءات التي اتخذتها معظم، إن لم يكن كل الدول، تجاه الأزمة المالية والتبعات المرتبطة بها، بدءاً من الولايات المتحدة مروراً بأوروبا والكثير من الدول الآسيوية، اتجهت نحو ضخ مئات المليارات في الشركات والمصانع الخاسرة، والعمل على الحفاظ على الاستقرار المالي، والتدخل بشكل خاص في معالجة أزمات التمويل والائتمان التي تسببت في الأزمة المالية الحالية.
تحولت معظم سياسات هذه الدول من قانون الرأسمالية الشهير الداعي لإطلاق الحريات الاقتصادية والإنتاج والاستهلاك والاستيراد والتصدير إلى قوانين جديدة تراقب كل شيء وتتدخل في كل شيء، وبشكل خاص النظام المالي والمصرفي. لقد أفقدت الأزمة الاقتصادية والمالية الكونية الحالية الثقة في القوانين المفتوحة للرأسمالية، وعجلت بالتدخل الحكومي غير المشروط في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
فمن الجوانب الخطيرة التي نجمت عن الأزمة المالية الراهنة ضعف الثقة في قوانين النظام الرأسمالي العالمي والقائمين عليه. فالأزمة المالية والاقتصادية الراهنة هي أزمة أخلاقية بالأساس، دعمها النهم والجشع الرأسمالي نحو التربح وتكريس الثروات في أيدي نسبة محدودة من السكان على حساب باقي الشرائح الاجتماعية الفقيرة منها أو محدودة الدخل.
وتعتبر أزمة الرهن العقاري مثالاً واضحاً على تلاعب القوانين الرأسمالية بالبشر الذين دفعتهم الرأسمالية للاستدانة من أجل الاستحواذ على مسكن المستقبل. ولعل تأثر الملايين من الأفراد حول العالم بالأزمة المالية هو ما دفع الحكومات والنظم السياسية المختلفة لاتخاذ تدابير حمائية من أجل ضمان عدم المزيد من التدهور الاقتصادي والمالي.
والغريب في الأمر أن تلك الإجراءات جاءت مناقضة تماماً لهيمنة خطاب العولمة على حركة الاقتصاد والسياسات الكونية لما يزيد على عقد من الزمان، بحيث بدا أن أي حديث آخر عن الإجراءات الحمائية هو حديث ضد العولمة أو أي من آلياتها القائمة على التعاون والدمج والتوحيد. فبعد ما يزيد على عقد من الزمان من الحديث عن العولمة وتجلياتها المختلفة، إذا بالعالم يتجه الآن وجهة مخالفة نحو المصالح القومية الوطنية، بالمخالفة لما أكده خطاب العولمة عبر سنوات طويلة من التكريس.
ففي ضوء الأزمة المالية الحالية تحاول كل دولة النجاة بنفسها من مخاطر الانهيار، ويحاول كل نظام سياسي عدم السقوط أمام الاضطرابات الاجتماعية المتوقعة في كل مكان حول العالم.
ولا تتبنى الدول والحكومات حول العالم السياسات الحمائية الاقتصادية فقط، بل إنها تتبنى وبسرعة برامج اجتماعية واسعة النطاق من أجل الحد من توقعات الاضطرابات الاجتماعية القادمة. فالرأسمالية مضطرة الآن تحت ضغط الواقع المأزوم، وليس تحت وطأة الأيديولوجيا، إلى تغيير الكثير من القواعد التي ارتكزت عليها، وبشكل خاص القانون الشهير القائم على حرية العمل والمرور.
ومن اللافت للنظر الآن أن العالم برمته يتجه نحو التقارب مع الاتجاهات الاشتراكية التي تمنح الدولة دوراً كبيراً في القرارات الاقتصادية وصيانة الأمن الاجتماعي من خلال الوقوف بجانب الشرائح الاجتماعية الأكثر تضرراً من تبعات الأزمات والاضطرابات الاقتصادية الكونية. ومن الغريب في الأمر أن الأزمة المالية الحالية تدفع باتجاه العودة لما حاربت أميركا من أجله طوال الحرب الباردة تأكيداً للمبادئ الرأسمالية في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، والعمل على مواجهته بكل السبل والوسائل المختلفة.
هل يتجه النظام الرأسمالي الحالي نحو العقلنة والإيمان بأهمية وجود لوائح ونظم حمائية تقمع النهم والشره الإنسانيين؟ وهل تفيق القوى الاقتصادية العظمى من نشوة التوسع والانطلاق وغزو الأسواق المختلفة من أجل صيانة الإنسان وضمان العدل والمساواة والحفاظ على البيئة؟ وهل سوف تغير المؤسسات الدولية القابعة في حضن الدول العظمى وتتبنى سياسات اقتصادية عادلة وحكيمة؟
أسئلة كثيرة على المجتمع الدولي الراهن أن يواجهها بحسم وقوة ونزاهة إذا ما أراد أن ينجو بما فعله السفهاء من الانتهازيين الرأسماليين العالميين. وهي أسئلة لا نتوقع أن يبادر الرأسماليون المتشبثون بالربح بالإجابة عنها، بقدر ما سوف يحاولون المناورة حولها حتى تمر العاصفة.
من هنا فإنه على القوى الاقتصادية الصاعدة والدول النامية أن تصيغ قواعد جديدة يمكن من خلالها خلق أجواء كونية أكثر إنسانية وعدالة. ويأتي على رأس هذه القوى كل من الصين والهند والبرازيل والدول المنتجة للنفط، وكل الدول النامية الأخرى. فعلى عاتق هؤلاء تقع مسؤولية صياغة القرن الواحد والعشرين بقواعد وأسس إنسانية متحررة من سطوة القوانين الرأسمالية، ومرتكزة على الرغبة في إيجاد كون خال من الفقر والخوف والجشع.
كاتب مصري
