أعياد النيروز هي أعياد تحتفل بها شعوب كثيرة في غرب ووسط آسيا. فهي مناسبة يحتفل بها الأكراد وبعض الجماعات التركية والأفغان وطاجيكستان وإيران. وهي تتقارب مع احتفالات الربيع عند بعض شعوب منطقة الشرق الأوسط.
ورغم أن النيروز يذهب في التاريخ لمرحلة ما قبل الإسلام وتحديدا لحقبة استواء الديانة الزرادشتية في إيران والمناطق المجاورة لها إبان الإمبراطورية الفارسية، إلا أن السمة اللا دينية قد جعلته قادرا على الاستمرار والتعايش بعد ذلك مع المرحلة الإسلامية. وأصبح نتيجة لذلك أحد مركبات الهوية التقليدية لدى شعوب هذه المنطقة وتحديدا إيران. والاحتفال به هنا يمثل بداية العام الإيراني الجديد.
ولا أعتقد أن اختيار الرئيس الأميركي مناسبة الاحتفال بأعياد النيروز ليوجه رسالته للنظام والشعب الإيراني قد جاء اعتباطا. فالمناسبة التي هي خالصة إيرانية واللغة الموظفة في الخطاب «الأوبامي» (نسبة لأوباما) قد مثلت تحولا مهما في الموقف الأميركي من إيران.
وهي لغة قد تجاوزت بمراحل لغة الإدارات الأميركية السابقة والتي مثل التهديد فيها السمة المسيطرة. وهي لغة قد لا تنفع وحدها إذاً ما لم يرافقها خطوات عملية وصبر على الواقع. فسنوات الكراهية بين النظامين الأميركي والإيراني قد استمرت لما يقارب الثلاثة عقود، تشكيلات من العلاقة في المنطقة تتساوى مع العداء.
ورغم أن خطاب الرئيس الأميركي لم يتجاوز الأربع دقائق، إلا انه قد كان مثقل بالرسائل والدلالات التي قد يكون أهمها هو تخلي النظام الأميركي على الأقل علنا لفكرة تغيير النظام الإيراني أو الأنظمة المخالفة له. وهي حالة قد عملت الإدارات الأميركية السابقة كثيرا على تحقيقها وفشلت في ذلك خلال العقود الثلاثة الماضية.
فلأول مرة يأتي رئيس أميركي على ذكر اسم إيران كاملا (الجمهورية الإيرانية الإسلامية) دون زيادة أو نقصان، وبهذا فأن الإدارة الأميركية الجديدة تعلن تخليها رسميا عن تغيير النظام وهي بهذا تستعيض عن فكرة تغيير النظام بفكرة الحوار والتعامل المباشر مع النظام الإيراني لحل« كافة المشكلات التي تواجههما والسعي لإقامة علاقات بناءة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران والأسرة الدولية».
ورغم أن البعض يعتقد إن على الولايات المتحدة الأميركية أن لا تتخلى عن لغة التهديد في علاقتها مع نظام كالنظام الإيراني، إلا أن الإدارة الأميركية الجديدة تبدو عازمة على تجاوز المشكلات الناجمة عن استراتيجيات تعاملها مع النظام الإيراني.
فالعلاقة مع إيران «لن تقوم على التهديد ونسعى بدلا من ذلك إلى حوار نزيه وقائم على الاحترام المتبادل». بل إن الرئيس أوباما يذهب أبعد من ذلك في قوله إن بلاده مستعدة للاعتراف بدور ومكانة إيرانية في الفضاء الإقليمي والدولي، «وهو حق تملكه إيران إلا أنه يأتي بمسؤوليات حقيقية».
ومع ذلك فان الإدارة الأميركية الجديدة في الوقت الذي تبدو قابلة بهذا الدور والمكانة الجديدة لإيران في محيطها الإقليمي، إلا أنها تؤكد على أن هذا الدور والمكانة لن تأتي إلا في إطار مسؤوليات جديدة يتطلب من إيران صراحة التخلي عن دعم «الإرهاب» وعقلنة اندفاعاته في التسلح العسكري. حيث أن تحقيق ذلك سيقدم كما يقول الرئيس الأميركي «فرصا أكبر للشراكة والتجارة».
ورغم هذا الطموح في التصالح الذي تطرحه إدارة أوباما إلا أن خطابه بدا واقعيا مدركا لحقيقة أن تركة سنوات العقود الثلاث الماضية لا يمكن تجاوزها بسهولة. فهناك على ضفتي المحيط جماعات في الداخل الأميركي والإيراني« يصرون على أن تميز العلاقة بين البلدين خلافاتهما».
فالجماعات الدغماتية والثورية في الداخل الإيراني سواء أكانت من داخل المؤسسة الدينية أو من خارجها قد لا يريحها أن يعقلن الخطاب السياسي الإيراني وأن ينتقل من حالته الثورية الجامحة إلى قدر من العقلانية السياسية القائمة على تبادل المنافع. من الناحية الأخرى ترغب الجماعات الأميركية المحافظة وجماعات اللوبي الإسرائيلي في أن يكون التوتر والتشنج سمة العلاقة بين البلدين.
وبدا الخطاب مدركا لحقيقة أن المبادرة يجب أن تأتي من الطرف الأميركي أكثر منه الإيراني وأن تحمل خطوات عملية أكثر من كلمات للاستهلاك السياسي. وأن الطرف الأميركي لا بد أن يكون صبورا وقادرا على تجاوز حالات الرفض في الداخل الأميركي والتشنج الإيراني ليعبر بهذه العلاقة من حالة العداء والنفور لحالة القبول والتعاون.
ومهما قيل فإن هذه المبادرة قد عمل على تصميمها جماعات إيرانية في الداخل الإيراني وأخرى أميركية ــ إيرانية وأميركية في الداخل الأميركي من خلال مواقعها الاقتصادية والفكرية التي باتت مؤثرة في بعض نواحي القرار المتعلق بإيران.
وهي جماعات رغم عدائها أو خلافها الأيديولوجي والسياسي مع النظام الإيراني إلا أنها بحكم الانتماء تدرك أن كسر العداء في العلاقات الأميركية ــ الإيرانية قد يعقلن إلى حد ما تدخلاتها الإقليمية كما أنه قد يغير من نزعاتها في اقتناء المزيد من القوة العسكرية.
وهي أحلام سيحاول الأميركان تحقيقها، إلا أن كل ذلك مرهون بتحولات الواقع في الداخل الإيراني وبروز نزعة أكثر عقلانية في التعامل مع الدول المخالفة في التفكير السياسي الأميركي الجديد.
إلا أن هذه العلاقة لا يمكن أن تتحول من حالة العداء الحالي لقدر من التواصل إلا من خلال قيام الإدارة الأميركية الجديدة بمبادرات حقيقية على الواقع. وبمبادرات غير قائمة على الاصطفاف والاستقطاب والمحاور والانحياز والتناول غير العقلاني لمشكلات المنطقة في العراق ولبنان وفلسطين. وتبقى القضية الفلسطينية والصراع العربي ــ الإسرائيلي محور كل عمليات الاستقطاب والمحاور في المنطقة.
اذ ستبقى هذه القضايا والمشكلات، إذاً ما لم تساهم الإدارة الأميركية الجديدة مساهمة فعالة في حلها، فإنها ستمثل بؤر استقطاب وتجييش ليس فحسب ضد الإدارة الأميركية وإنما ضد الكثير مما يسمى بدول الاعتدال في المنطقة العربية.
ومرة أخرى فانه رغم المخاوف غير المعلنة التي يبديها البعض من أي تقارب أميركي ــ إيراني في المنطقة إلا أن المنطق السياسي يقول إن أية علاقة بينهما لن تأتي على صالح العلاقة التاريخية التي ربطت الولايات المتحدة الأميركية بحلفائها العرب وإنما قد تساهم في ضبط انفلات السياسة الإيرانية في المنطقة عبر القبول بدور ما لها في الفضاء الإقليمي والدولي.
كاتب بحريني
