للتو أغلق معرض أبوظبي الدولي للكتاب أبوابه، كانت المرة الأولى التي أحضر فيها المعرض وأشارك في بعض فعالياته. لعل أكثر ما يلفت الانتباه خلال تلك الفعالية هو رؤية المئات من طلاب وطالبات المدارس يتجولون، مع معلميهم وأهاليهم، بين أجنحة المعرض. في المكان، قل أن تشعر بمظاهر «النخبوية» فأنت في سوق ضخمة للأفكار والكتب والإصدارات، تتجول في وسط يضم مؤلفين ومفكرين وصحفيين وطلاب مدارس وطالبات جامعات وناشرين وكتابا معروفين وآخرين يخطون بحذر، خطاهم الأولى في عالم الكتابة والنشر.

ولم يكن معرض الكتاب في أبو ظبي هو الفعالية الثقافية الوحيدة التي حركت الساكن الثقافي العربي خلال الأيام القليلة الماضية. لقد شهدت دبي قبل معرض أبو ظبي مهرجاناَ دولياً ضخماّ للشعر جمع بين مدارس شعرية متنوعة وشعراء من كل أنحاء العالم في مدينة واحدة في أسبوع واحد.

ففيما كان مسرح مدينة الجميرا يستضيف عددا من الشعراء، من داخل العالم العربي ومن خارجه، يلقون قصائدهم أمام جمهور متنوع وبلغات متعددة، كان بيت الشعر في الشندغة يحتفي بالشاعر الراحل محمود درويش بطريقة خاصة اجتمعت عبرها قصائد درويش بالموسيقى ودموع محبيه.

وقبل مهرجان دبي الدولي للشعر، شهدت دبي مهرجان طيران الإمارات للآداب، حيث التقى الكتاب العربي مع الكتاب الإنجليزي والفرنسي وسمع الروائي الشهير معاناة الروائي المبتدئ وسأل التلميذ الصغير سؤالاً قبل أن يسأل أستاذ الأدب أسئلة نقدية طويلة.

مشت وسط الحضور الكثيف رجاء الصانع مزهوة بما تحقق لعملها الوحيد «بنات الرياض» من شهرة وصيت وتوكأ إبراهيم الكوني على عصاه ماشياً بصمت بين أروقة المكان وساحاته.

كان مشهداً مختلفاً أن ترى العشرات من الشباب، من عرب وغير عرب، يقفون في صفوف طويلة لشراء تذكرة لحضور ندوة أو جلسة نقاش أو أمام كاتب يوقع على كتابه. وكنا نشهد ذلك المشهد بكل تفاصيله هنا.. هنا في دبي. وما زال جدول الفعاليات الثقافية في دبي، من معارض ومؤتمرات وندوات، يزدحم بالكثير من الأسماء وربما المفاجآت.

كل هذا، في ظني، يأتي في سياق مشروع ثقافي مهم تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم مما يؤهلها، بجدارة، أن تكون فعلاً عاصمة الثقاة العربية ووجهة المثقفين والمبدعين من المنطقة وخارجها. غير أن المطلوب من المعنيين بالفعاليات الثقافية في الإمارات ألا تغيب عن برامجهم ومشاريعهم علاقة الإنسان الإماراتي بهذه الفعاليات.

فالعمل الثقافي يحقق جدواه في التنمية الإنسانية الشاملة حينما يبتعد عن احتكار النخبة وعندما يرتبط بالإنسان مباشرة كي يسهم في بنائه وتقديم أدوات جديدة للتفكير البناء ورؤية الذات والآخر بشكل مختلف ويتوافق مع الحاجة الآنية لإنسان هذه المنطقة لمعرفة التحولات الكبيرة التي يشهدها عالمنا اليوم.

أخطر ما يمكن أن تؤدي إليه كل هذه الفعاليات الثقافية المهمة في الإمارات هو أن تصبح هناك فجوة بين المواطن هنا والفعاليات الثقافية التي تقام على أرضه فيصبح المكان مجرد قاعة للعرض وتتحول الفعالية إلى «فرصة إعلامية» فقط على حساب الأهداف الكبرى للعمل الثقافي الذي يجب أن يوجه بالدرجة الأولى لإنسان هذه الأرض.

من هنا تأتي أهمية إشراك طلاب وطالبات المدارس والجامعات المحلية في الفعاليات الثقافية التي تقام هنا، كما شهدنا في معرض أبو ظبي للكتاب وفي مهرجان دبي الدولي للشعر وغيرهما.

ولكي نقلص الفجوة بين الرؤية «النخبوية» للفعالية الثقافية ورؤية القطاع الواسع من أهل الإمارات والمقيمين على أرضها يصبح مفيداً ألا تقام تلك الفعاليات في الفنادق الكبرى فقط ولكن في مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية مثل مسرح ندوة الثقافة ونادي الضباط والجامعات والمدارس.

سعدت جداً حينما علمت أن بعض المشاركين في الفعاليات الثقافية الأخيرة قد تمت دعوتهم لزيارة بعض المدارس والكليات للالتقاء بالطلاب والحديث عن تجاربهم في الكتابة والنشر والانتشار. إنها خطوة رائدة ومهمة لعلها تسهم في صياغة رؤية جديدة للطموح فمن يدري إذ لعل زيارة واحدة لكاتب أو كاتبة مبدعة تحفز طالبا أو طالبة على الإبداع والكتابة وربما أسهمت تلك الزيارات في خلق مفهوم جديد للشهرة و«القدوة».

كم يفرحني أن أسمع صوتا صغيراً يؤكد أن طموحه الكبير أن يصبح كاتباً أو رساماً أو أستاذا جامعياً في المستقبل. وكم يفرحني، بل يطربني، أن تزاحم الفعاليات الثقافية فعاليات سياسية وتجارية أخرى... فالمدن، كبيرة كانت أو صغيرة، مثلها مثل الأفراد، تكون بلا طعم، بلا قلب، إن خلت من أي مشهد ثقافي أو هم فكري... وما زلنا في أول الطريق!

كاتب ومستشار إعلامي

alhattlan@post.harvard.edu