بإمكان العرب إذا ما أحسنوا التعامل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن يعيدوا تشكيل مفردات الصراع العربي الإسرائيلي وينقلونه إلى أرضية جديدة أفضل بكثير من الوضع الحالي.

ففي الأيام القليلة الماضية بدأت تتضح بعض ملامح الحكومة الإسرائيلية الجديدة وهى كما هو واضح حتى الآن لن تضم فقط متطرفين مثل بنيامين نتنياهو وفريقه وانما عنصريون أيضا أمثال أفيجدور ليبرمان. فنتنياهو الذي تحدث صراحة عن أن إقامة الدولة الفلسطينية ليس من أولوياته، اختار ليبرمان الفاشي العنصري المتطرف ليكون وزيرا للخارجية.

وليبرمان الذي كان قد هدد بقصف السد العالي بالقنابل النووية قد طالب أيضا بحرمان عرب 1948 من حقوق المواطنة في إسرائيل بناء على التفتيش عن ولائهم للدولة اليهودية بل وتحدث علنا عن الترانسفير حين طالب بنزع جنسيتهم وترحيلهم في إطار أية تسوية مستقبلية بهدف تحقيق «نقاء الدولة اليهودية».

وتأتى تلك الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى الحكم في وقت تعاني فيه إسرائيل أصلا من مأزق دولي واضح. فالوجه القبيح الذي كشفت عنه إسرائيل في أثناء هجومها الوحشي على غزة قد أدى لانسحار واضح في التعاطف الدولي معها. غير أن ما حدث في غزة كان في ظني بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير إذا جاز التعبير.

فقد تابع العالم كيف استخدمت إسرائيل الهمجية نفسها في لبنان عام 2006 والرأي العام العالمي قد بدأ يضيق ذرعا ليس فقط باستخدام القوة المفرطة وإنما أيضا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض والتوسع في عمليات الاستيطان وابتلاع الأراضي وهدم المنازل الفلسطينية.

لكن الأهم من كل ذلك أن العالم قد بدأ يدرك ما صارت ما تشير له بانتظام استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية من عدم اكتراث المجتمع الإسرائيلي بالمعاناة الفلسطينية أو باحترام الجماعة الدولية عبر إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية والتي صارت في الواقع مطلبا دوليا. ولا يقل أهمية عن كل ذلك أن المجتمع الدولي لم ينس أن بوش وعصابته لم يحظيا بشعبية حول العالم سوى في إسرائيل!

وقد بدأت تظهر فعلا بوادر التوتر في علاقات إسرائيل الدولية. فقد واجهت العلاقات مع تركيا أزمات متتالية وشهدت دول أوربية عدة مظاهرات حاشدة معادية لإسرائيل. بل ان خافيير سولانا أعلن مؤخرا أن علاقة الاتحاد الأوروبي بإسرائيل قد تتعرض للمراجعة ما لم تلتزم إسرائيل بحل الدولتين. كما نقلت وسائل الإعلام الاستقبال العدائي الذي لاقته الفرق الرياضية الإسرائيلية في أكثر من دولة حول العالم.

ويتزامن مع ذلك كله تحولات مهمة على الصعيد الأميركي ينبغي الالتفات إليها. ففي الوقت الذي انتقدت فيه هيلاري كلينتون علنا مخططات الاستيطان وهدم المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية، التزمت الوزيرة الأميركية الصمت كلما تحدث إليها الإسرائيليون مطالبين بأن يحتل موضوع النووي الإيراني الأولوية قبل حل الصراع العربي الإسرائيلي.

أضف إلى ذلك أنه يوجد تذمر علني إلى حد كبير في أوساط بعض قطاعات الجماعة اليهودية الأميركية إزاء التطرف الإسرائيلي وقلق شديد من تولي حكومة جديدة أكثر تطرفا في المستقبل القريب.

غير أن المتغير الأهم من هذا وذاك هو أن الكوارث الداخلية والخارجية التي خلفتها إدارة بوش قد خلقت مناخا عاما فيه درجة عالية من القبول بمراجعة الرؤى التي قامت عليها سياسات تلك الإدارة. ويخلق ذلك فرصة للعرب إذا ما أحسنوا استغلالها تتمثل في الدفع نحو جعل الرؤى الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي ضمن ما يتم مراجعته.

والمعنى المقصود هنا هو ليس أن تتخلى أميركا عن إسرائيل فهو ما لن يحدث وإنما المقصود هو أن يتم تفكيك المنظومة المتطرفة من الرؤى والمفردات التي نجحت إدارة بوش في إرسائها واعتبارها الحاكمة لتفاعلات الصراع وهى التي دفعت بالولايات المتحدة لاتخاذ مواقف متطرفة سواء فيما يتعلق بالمستوطنات أو بوضع القدس وقضية اللاجئين أو حتى بمفهوم الدولة اليهودية.

والحقيقة أن تلك المراجعة ليست سهلة أميركيا كما اتضح بجلاء من المعركة التي دارت ضد تولي السفير تشارلز فريمان منصبا حساسا (وكان موضوع مقال الأسبوع الماضي)، إلا أنها مراجعة ليست مستحيلة خصوصا في ظل وجود حكومة إسرائيلية متطرفة. فبالمقارنة بحالة وجود حكومة إسرائيلية تبدي اعتدالا واستعدادا زائفا للتسوية فإن الأسهل بكثير أن تحدث تلك المراجعة في ظل تطرف إسرائيلي واضح.

بعبارة أخرى فإن قدرة إدارة أوباما على اتخاذ مواقف جديدة نوعيا إزاء إسرائيل يتوقف أولا على الداخل الأميركي بمعنى استمرار تمتع أوباما نفسه بشعبية تسمح له بحرية الحركة إزاء الكونجرس، ويعززها ثانيا تذمر قطاع معتبر داخل الجماعة اليهودية الأميركية إزاء التطرف الإسرائيلي إذ ان ذلك التذمر يقدم له الغطاء السياسي الذي يحتاجه.

لكن قدرة أوباما على مثل تلك المراجعة مشروطة بالعزلة التي ستواجهها الحكومة الإسرائيلية الجديدة دوليا وإقليميا. فبدون تلك العزلة لن يتوفر لإدارة أوباما الغطاء السياسي المطلوب لحرية الحركة، والذي من شأنه دعم موقفها إزاء الضغوط الداخلية التي سوف تقاوم بضراوة أية تحولات من هذا النوع.

والعزلة الدولية لا يمكن أن تحدث لو أن العرب تعاملوا مع تلك الحكومة الإسرائيلية الجديدة بمنطق الأمل في الحد من تطرفها عبر التفاعل الإيجابي معها، إذ من شأن ذلك المنطق أن ينتج مواقف تقدم خدمة مجانية لحكومة إسرائيل تزيد من رصيدها وتدعم من قدرتها على الزعم بأن مواقفها ليست متطرفة بدليل استعداد العرب للتعاطي معها.

بعبارة أخرى، يتحتم أن يتوخى العرب أعلى درجات الحذر لئلا يصدر عنهم ما من شأنه فك عزلة تلك الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فنجاح تلك الحكومة في فك تلك العزلة من شأنه أن يمكنها من العمل على زيادة مفردات أكثر تطرفا لواقع الصراع.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com