تقف تشيكيا اليوم أمام مفترق طرق حساس سيبعثر خطط قيادتها الحالية بشكل فريد وسيرسم آفاقا جديدة غير واضحة المعالم حتى الآن. والفريد في الأمر أن اضطرابات المرحلة السياسية تمر في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد، أي في الوقت الذي تترأس فيه الاتحاد الأوروبي وتطمح لأن تكون لاعبا مهما في فسيفساء السياسة العسكرية الأميركية، خصوصا في منطقة وسط أوروبا لأنه لن يكون بمقدورها بالطبع أن تفرض نفسها كطرف مؤثر في مناطق أخرى حول العالم.

اليوم، يقف البرلمان التشيكي ليطرح الثقة بالحكومة الائتلافية في ظل مؤشرات حقيقية عن احتمال حدوث تغيير جذري في طريقة تعاطي القوى البرلمانية الفاعلة مع الوضع السياسي المتطور بسرعة، باعتبار أن الظروف الذاتية والموضوعية الكثيرة قد تقاطعت لتفرز ذلك التغيير إن كان على الصعيد المحلي أم ضمن المنطق الإقليمي والدولي.

فما هو شكل التغيير المرتقب وعلى ماذا يستند في حركته وآليته؟

لا شك بأن أبرز ما ميّز حالة الاضطراب السياسي في تشيكيا هو الانقسام الحاصل بين أبناء الصف الواحد في ما يعرف بمعسكر المحافظين، والذين تباعدوا انطلاقا من طريقة فهمهم لعملية التكامل الأوروبي المقتربة شيئا فشيئا من مراحلها الحاسمة.

هذا الأمر ولّد طلاقا واضحا بين رئيسي الوزراء والجمهورية، باعتبار أن الأول قد انحاز بشكل مفاجئ إلى مصلحة المصادقة على اتفاقية لشبونة وبالتالي دفع البلاد إلى انجاز عملية التكامل الأوروبي وفق ما هو مخطط لها وبأي شكل ممكن، في حين أن الثاني يصر حتى اليوم على التمسك بآرائه الناقدة لهذا التكامل انطلاقا من القناعة المترسخة في نفسه بأن ما يجري ليس سوى استعدادات فاضحة لضم الدول الصغيرة إلى فضاء واسع سينتقص كثيرا من سيادتها.

وانطلاقا من هذا يبدو بأن الساحة السياسية المحلية في تشيكيا مقبلة على صراع فريد من نوعه لأنه لم يسبق أن اقترب من مرحلة الحسم بهذا الشكل بين مسئولين رفيعين ينتميان لحزب واحد، واعتماد أحدهما، سرا أو علنا، على الدعم المقدم من قبل أحزاب المعارضة اليسارية.

انه الصراع إذا على شكل الهوية الوطنية التي يعتقد طرف بأنها ستحيا وتنمو في ظل البيئة الأوروبية الجديدة الواسعة، بينما يعتقد الآخر بأنها ستموت وتندثر في ظل التفوق الكبير لبعض الدول الأعضاء المدعوم حتما بأحلام السيطرة على دفة القيادة.

هكذا كان نبض الصراع منذ أن اختارت دول وسط أوروبا الانتقال من ظل إلى آخر، لأن صنّاع القرار فيها لم يحسموا أمرهم على ما يبدو في القضايا المرتبطة بالتوجه الاستراتيجي العقائدي النهائي، وإن كانوا قد أعلنوا في أكثر من مناسبة عن اختيار «الغرب الديمقراطي» كتوجه أساسي ينقذهم من الفراغين الأمني والسياسي اللذين سادا في المنطقة بعد التغييرات الجذرية الكبيرة.

تخوض تشيكيا هذا الامتحان الصعب في ظل معطيات أخرى لا تقل أهمية عن عملية التكامل الأوروبي. فالمعركة بين أقطاب التوجهات الإيديولوجية المختلفة انتقلت من الساحة الأوروبية إلى الساحة العالمية من خلال ما بات يعرف بمشروع الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، وتحديدا قاعدة الرادار التي اعتبرت بداية الحصة التشيكية في المشروع برمّته.

وأقول بداية الحصة لأن ما تناقلته كواليس السياسة في هذا البلد وغيره قد كشف بوضوح بأن قاعدة الرادار التي كثر الحديث عنها لم تكن لتشكّل نهاية التمدد العسكري الأميركي نحو الشرق، بل في واقع الأمر البداية التي كان مطلوبا منها أن تتفرع إلى تفاصيل أخرى لم يُكشف النقاب عنها بعد.

وفي هذا السياق برز في البلاد تياران رئيسان الأول متمسّك بهذا المشروع لاعتقاده بأنه عنصر مهم في تكريس الخيار الجيو ـ سياسي الاستراتيجي الذي أخذته البلاد على عاتقها بعد الثورة المخملية في عام 1989، وكذلك لأنه سيبقي البلاد في دائرة النفوذ الغربي ويحد بالتالي من أية أطماع قد تتولد مجددا في نفوس قادة الكرملين لإعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة.

أما الثاني فيتعامل مع الأمر من وجهة نظر مختلفة تماما وإن كان يتقاسم مع التيار الأول شعوره بضرورة تكريس الانتماء الحالي إلى الخارطة الجغرافية والسياسية للغرب. ويختلف هذا التيار عن الأول بكونه يفضّل البقاء تحت مظلة حلف الناتو وتوجهاتها العسكرية، واعتباره ذلك كافيا لتحقيق الطموحات المهمة التي يتطلع إليها كافة أبناء الشعب.

هذا يعني بأنه يؤيد تحالف بلاده الوثيق مع الولايات المتحدة الأميركية لكنه لا يوافق على أن يكون ذلك منطلقا للدخول في مغامرات عسكرية قد تضعه على حافة المواجهة مع روسيا بالدرجة الرئيسية، أو حتى غيرها من الدول.

وبالرغم من أن هذا التيار ليس موحدا في نظرته إلى هذا الموضوع باعتبار أن بعض أقطابه قد ينحازون في أفكارهم إلى سلسلة من الحجج التي يتعامل معها التيار الأوّل، إلا أنه يبدو في الوقت الحاضر مستفيدا من الشعور الشعبي العام الرافض بشدة لأي تواجد عسكري فوق الأراضي التشيكية، ومستغلا ذلك في صراعه السياسي المرير.

لقد ساهمت التجاذبات التي شهدتها الساحة المحلية مؤخرا بتأجيج حركة برلمانية غير مسبوقة أجبرت الحكومة على سحب مشروعين مرتبطين بالقاعدة المذكورة ومنعهما من التداول داخل المجلس النيابي.

وقد أثبت هذا الأمر مرة أخرى هشاشة التمثيل السياسي في البلاد وقدرة الدول العظمى على التسلل من خلاله إلى تفاصيل اللعبة المحلية والإقليمية. الخوف كان بالطبع بأن تتمكن المعارضة من إسقاط مشروع قاعدة الرادار والانتقال بعد ذلك إلى مرحلة أدق قد توصلها إلى السلطة التنفيذية.

بجميع الأحوال، ان ما نشهده في تشيكيا حاليا يعكس نبض الشارع في الاتحاد الأوروبي ككل، ويؤشر لتطورات مرتقبة قد تكون في غاية الأهمية على كافة الأصعدة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz