منذ أمد بعيد سعت إسرائيل ومعها الإدارة الأميركية إلى إيجاد انفصام في الفكر والجسد الفلسطينيين. حركتا فتح وحماس هما المرشحتان لتحقيق ذلك الهدف. تقود حركة فتح عدداً من الفصائل الفلسطينية تشكل أصلاً هيكلية منظمة التحرير. من جانبها تقود حماس أو تشارك في المنهجية عدة فصائل جهادية تنتهج نفس المبادئ مع بعض التعديلات الثانوية.

في نظام ديمقراطي عريق، كالنظام الفلسطيني بعينه! فلا عراقيل أو موانع في توحّد تلك الفصائل من مختلف ألوان الطيف السياسي والأيديولوجي. قد يكون ذلك على شكل منظمة أو حكومة ائتلاف تجمع اليسار واليمين والليبرالي والمتشدد.

لكن أوضاع الساحة الفلسطينية فيها الكثير من الخصوصيات، السلبية والإيجابية. تتلخص السلبية هذه هنا بسهولة إحداث انقسامات في الصف الفلسطيني وتعميقها وتطويرها. بعد انتخابات عام 2006 وفوز حركة حماس فيها، دقت ساعة العمل الحثيث على وتر هذه الانقسامات.

ذهب بعض الكتّاب الإسرائيليين وحلفائهم في الغرب إلى تصوير واقع الدولة الفلسطينية المقترحة في «خريطة الطريق» الأميركية وكأنها تنقسم إلى جزأين. الجزء الأول يوجد في قطاع غزة وتمكن تسميته ب«حماسستان» أو وطن حماس. الجزء الثاني يمكن أن يطلق عليه «فتحسطين»، بدلاً عن فلسطين المعهودة في الفكر والتاريخ والجغرافيا.

فكرياً وذهنياً تم تقسيم رأس الجسد الفلسطيني إلى اثنين. الأول يسير حسب فكر ومنهجية حماس المعروفة بالتشدد والواقعية، في آن معاً. تسيطر حماس على أكثر من ثلث شعبية الشارع الفلسطيني، وتتمتع بقوة عسكرية ميدانية يمكنها الوقوف على قدميها في مواجهة حركة فتح. في المقابل تستحوذ حركة فتح على ثلث شعبية الشارع الفلسطيني. ذلك ما يضعها عيناً لعين تقريباً في منافسة ومقارعة حركة حماس.

التسليح والدعم المالي والسياسي لفتح يأتي ولو شكلياً إعلامياً من الإدارات الغربية ومؤازرة الأنظمة المعتدلة في المنطقة. بات «رأسا قيادة الشعب الفلسطيني» في الداخل والخارج مثل قطبين متنافرين يقفان على قاعدة واحدة. هذان الرأسان قابلان لإجراء التجارب الأميركية والإسرائيلية عليهما بيسر وسهولة.

مع الزمن تطورت الأمور باتجاه الأسوأ. بات الرأسان السياميان للشعب الفلسطيني لا يطيق أحدهما التعايش مع الآخر. ما أن وضعت الحرب الفسفورية على «حماسستان» أوزارها حتى انتفض من بين ركام الحرب مارد حماس، وبشكل أقوى عوداً من أي وقت مضى. باتت حماس بعد الحرب الفسفورية مدعومة من قطاع واسع من الدول والجماهير الإسلامية.

ذلك أسوةً بما حدث مع المقاومة اللبنانية (حزب الله) في حرب تموز 2006. ضمنياً وعلنياً وبشكل مباشر وغير مباشر، باتت حماس تلاقي اعترافاً من القوى الغربية، الولايات المتحدة بالذات، وحتى من إسرائيل. ذلك طبعاً ليس إعجاباً بسواد عيون حماس وقياداتها الميدانية والسياسية.

التوأمان السياميان الفلسطينيان الآن بحاجة إلى عملية جراحية لتوحيدهما أو فصلهما نهائياً عن بعضهما البعض. العملية الجراحية يشرف على تنفيذها طاقم أميركي إسرائيلي سري وعلني. يعمل هذا الطاقم حقيقة على أن تسير الأمور بشأن القضية الفلسطينية باتجاه الأسوأ.

كل شيء مباح هنا من أجل التخلص من حالة انشقاق الطرفين عن بعضهما، حتى لو أدى ذلك إلى التخلص من أحدهما، ودون تمييز هنا؛ لكن إعلامياً يفضل أن يكون طرف حماس لدواع أيديولوجية.

إسرائيلياً، وحتى غربياً عامّاً، فالأمر واضح لا لبس فيه، ألا وهو التخلص من الرأسين عن طريق ضربهما بعضهما ببعض. يكون ذلك عن طريق افتعال حرب أهلية على غرار ما حدث في الأردن عام 1970 وفي لبنان طوال الحرب الأهلية اللبنانية. في الوضع الفلسطيني الجديد فالأمور قابلة للحسم المأساوي بسرعة قياسية؛ لا يكاد بيت فلسطيني واحد يخلو من مؤيدين لحماس أو فتح، أو الاثنين معاً.

القيادات السياسية العليا، في السلطة الوطنية التي تقود حكومة تصريف أعمال وحماس التي تقود حكومة مقالة، ينتظرها التعقل واتخاذ قرارات حاسمة. هذه القرارات مبنية على التضحية بالأمور الشخصية والحزبية وحتى الأيديولوجية، في سبيل تخطي واقع مرير فرضته طبيعة تسلسل الأحداث. المجتمعون في القاهرة بشكل رئيسي، وبدرجة أقل دمشق والرياض، يقفون أمام خيارات وقرارات صعبة بل مصيرية.

هم يحاولون إرضاء عدة أطراف متناقضة في الأهداف والنظرة، في آن معاً، وبشكل عنيد وصلف. بالذات رضا إسرائيل وأميركا غاية يستحيل إدراكها بالدرجة الأولى وحتى الأخيرة. كل الاجتماعات تُحسب من قبيل اللعب في الوقت الضائع. كلما أتى الأمر لإسرائيل ترفض نتائج تلك اللقاءات جملة وتفصيلاً، وتعيدها إلى المربع الأول في العملية السياسية.

دخلت مرحلة تنفيذ قرارات المجموعة الدولية مرحلة التنفيذ. بالذات تلاقي القرارات والتوصيات الصادرة عن مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد عقب انتهاء الحرب على غزة شللاً في التطبيق. الأموال المخصصة لإعادة تعمير غزة تلعب دوراً إضافياً في تعزيز الانقسام الفلسطيني. تساهم «المساعدات» في طمس الاستفادة من نتائج الحرب لصالح الطرف الفلسطيني، خاصة لجهة حماس. الواقع السياسي الفلسطيني يشهد تأزماً إضافياً بسبب حالة الجمود في الاقتصاد وفي التحرك السياسي باتجاه العملية السياسية والمصالحة الوطنية.

سياسياً إسرائيل بدورها التقليدي تتمسك بموقفها الرافض لتقديم أي تنازل من شأنه أن يمنح الفلسطينيين قوة. اقتصادياً الأوضاع في المناطق المحتلة تخضع لإجراءات إسرائيلية تحدث شللاً في الأنشطة والاقتصاد الفلسطيني وتطويره. من جهة إعادة تعمير غزة فالحديث لا يزال يجري عن فك أو حتى تخفيف إجراءات الحصار المفروض على القطاع، مع تقديم مساعدات إنسانية محدودة.

إذن ما بدأ على شكل توأمين سياميين في قيادة الشعب الفلسطيني، يذهب بالأمور بعيداً باتجاه الفرقة والانقسام. الأطراف العربية التي تتدخل لحلحلة الأمور هي نفسها في ورطة مع نفسها أولاً، وفي مواجهة مع الأطراف الدولية أو لا تأثيراً حقيقياً لها. بالذات فإن قيمة معسكر الاعتدال العربي في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل ليست أكثر من عمل أدوات ووسائل تنفيذ مهمات.

أحياناً ترتفع القيمة هذه إعلامياً لتكتسب رصيداً شعبياً ثم تخبو لتحقق الأهداف المعادية. عادة ما تتلخص تلك الأهداف في طمس القضية الفلسطينية ومنعها من الحصول على مكاسب ولو شكلية.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae