كانت انطلاقة هذه الدولة عند قيامها انطلاقة غير عادية، شهدت زخما في كل شيء كما هي عادة البدايات دائما، خاصة عندما يكون سقف الطموح مرتفعا وحجم الآمال كبيرا وهمة الرجال عالية، ولا نعتقد أن أيًّا من هذه العناصر الثلاثة لم يكن متوفرا وبشكل لافت منذ بداية قيام دولتنا التي قادها المؤسسان الراحلان المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراهما، وإخوانهما حكام الإمارات الذين قامت على أيديهم هذه الدولة وتطورت لتصل إلى ما وصلت إليه من نهضة وتقدم، متجاوزين كل الظروف والمحن التي تعرضت لها المنطقة وكادت تعصف بأمنها واستقرارها ومشاريع التنمية فيها.
هذه السنوات شهدت الكثير من الظواهر التي لا تخلو منها مثل هذه المرحلة من مراحل البناء والتأسيس، وبالقدر الذي احتاجته مرحلة التأسيس من الخبرات في مختلف المجالات استعانت الدولة بمجموعة كبيرة من الكفاءات العربية والأجنبية التي ساهمت بخبرتها في وضع عملية البناء والتنمية على المسار الصحيح حتى يتم إعداد جيل متعلم يتحمل مسؤولية مواصلة المسيرة والمحافظة على المنجزات التي تحققت على يد الآباء المؤسسين والتي تتواصل الآن على يد أبنائهم الذين يكملون المسيرة.
وكان المنطق يفترض أن يتكون منذ قيام الدولة عام 1971 وحتى الآن ـ وهي مرحلة تقترب من الأربعة عقود ـ جيل اكتسب من الخبرة ما يضيف إلى شهاداته العلمية التي حصل عليها من أرقى الجماعات العربية وغير العربية ما يؤهله لأخذ مكان هؤلاء الخبراء الذين أدوا دورهم مشكورين، ليضع أبناء هذا الجيل بصمتهم ويضيفوا جديدا إلى المجالات التي تخصصوا فيها واكتسبوا مزيدا من الخبرة بفعل الممارسة العملية التي مزجت العلم بالعمل فصقلتهم وجعلتهم لا يقلون علما ولا خبرة عن فئة الخبراء والمستشارين الذين لا ننقص من قدرهم ولا نقلل مما قدموا.
هذا ما يفترضه العقل والمنطق، لكن ما نشاهده على أرض الواقع لا يساند ـ مع الأسف ـ هذه الفرضية، بل إنه يناقضها تماما في بعض المواقع ويقلب النظرية رأسا على عقب لكثرة ما نشاهده من الخبراء والمستشارين والقيادات غير المواطنة التي تحتل قمة الهرم في إدارات ومواقع كثيرة نتوقع أن نرى على رأسها مواطنين نعرف يقينا أنهم يمتلكون العلم والخبرة التي تؤهلهم لاحتلال هذه المواقع لأنهم من الكفاءات التي أصبح لها اسمها ومكانتها في الكثير من المحافل المحلية والعربية، بل والدولية أيضا.
نحن لا نتحدث عن مجالات وتخصصات نادرة، مثل تفتيت الذرة أو صناعة الصواريخ عابرة القارات أو المفاعلات النووية حتى لا يقيم البعض علينا الحجة ويتهمنا بالمبالغة في تقدير أنفسنا رغم أننا واثقون من أن هذه التخصصات في متناول قدرات أبناء هذا الوطن، وإنما نتحدث عن مجالات نعرف جيدا أن هناك من يستطيع أن يملأ المراكز فيها، كالتعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والمصارف والقانون، بل إننا لا نجد حرجا في إضافة مجالات كالطب والهندسة والتخطيط وغيرها من التخصصات الحديثة التي يعتقد البعض أنها حكر على الخبراء الأجانب فقط ويستكثرونها على أبناء الإمارات رغم تفوق الكثيرين منهم فيها ووصولهم إلى مستويات عالمية وحصولهم على براءات اختراع وجوائز دولية تدحض ادعاءات من يقول إنهم عاجزون عن النبوغ فيها وسد الفجوة التي يتصورون أن أبناء الإمارات غير قادرين على سدها.
لقد عادت إلينا عقدة الخبراء الأجانب بعد أن تصورنا أننا قد تخلصنا من هذه العقدة إلى الأبد وتجاوزنا تلك المرحلة بمسافة كافية تجعلنا لا نعود إليها من جديد، لكننا أصبحنا ـ مع الأسف ـ نرى قطاعات يحتل رأس الهرم فيها مسئولون أجانب في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أننا قد انتهينا من تكوين قاعدة من المواطنين المؤهلين لاحتلال هذه المراكز وإدارة هذه المؤسسات بكفاءة لا تقل عن كفاءة غيرهم، وبشكل يشرفهم ويشرف الوطن الذي لم يدخر شيئا في سبيل إعدادهم وتأهيلهم لتولي هذه المراكز وإدارتها بامتياز، شريطة أن تتاح لهم الفرصة لإثبات وجودهم.
إن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة بنا إلى مرحلة البدايات بعد أن قطعنا كل هذا الشوط من العمل، وتهميش ذوي الكفاءة والخبرة من أبناء الوطن، ما هو إلا هدر للطاقات وإلغاء لكل المنجزات التي نفاخر بها في مجال بناء الإنسان الذي هو الثروة الحقيقية للوطن كما علمنا مؤسس هذه الدولة رحمه الله، ومخطئ من يعتقد أن التطوير لا يحدث إلا بالتغريب ولا يأتي إلا من الخارج.
فكل الشعوب التي تقدمت وحققت أعلى معدلات النمو إنما تطورت على يد أبنائها الذين زودتهم بالعلم، وأفسحت لهم المجال لاكتساب الخبرة، ثم أتاحت لهم الفرصة لقيادة عملية التطوير بعد أن وضعت فيهم ثقتها وآمنت بقدرتهم على مواكبة العصر، بل والمنافسة على احتلال المراكز المتقدمة في كافة المجالات، وما لم نستفد نحن من هذه التجارب ونضع ثقتنا في أبناء وطننا من ذوي الكفاءة والخبرة فسوف نبقى نراوح في أماكننا.
ونبدأ كل مرة من نقطة الصفر، ونخسر كفاءات وطنية تشعر بالإحباط وهي ترى نفسها موضوعة على الأرفف، في الوقت الذي نستقطب فيه وجوها غريبة عن الوطن وهويته وهموم أبنائه والقضايا التي لا يعرف ترتيب أولوياتها إلا من شرب ماء هذه الأرض وتنسم هواءها منذ لحظة الميلاد، وتلقى دروس حبها على يد الآباء والأجداد.
كاتب إماراتي