نعم، بالتأكيد انه أمر محزن بالنسبة لكل عربي أن يعامل رئيس عربي أيا كان سجله في الحكم بشكل مهين مثلما هو الحال منذ صدور مذكرة التوقيف الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير.
فمنذ صدور مذكرة التوقيف تلك، أحصيت مئات المقالات المنددة التي تفيض بالمرارة من عالم تحكمه علاقات ومعايير لا تتسم بالعدالة عدا المواقف الرسمية لحكومات عربية والجامعة العربية ومنظمات عربية من شتى الاهتمامات.
نعم، ليست هناك عدالة في العالم، ففيما كانت مجزرة غزة مطلع هذا العام، تجري تحت أبصار العالم وتبث على الهواء مباشرة، لم يتحرك أي ضمير في لاهاي أو بروكسل أو أي مكان ليطالب بمحاكمة أي من القادة الإسرائيليين على تلك المجازر، بل ابعد من هذا وبشكل فظ يشي بالتواطؤ، تم إحباط محاولتين لتقديم قادة إسرائيل للعدالة الدولية.
لكن متى توفرت العدالة في العالم لكي نشكو من انتفاء العدالة الآن؟ إن غبار معركة البشير وكل هذا الصراخ والهياج في الشكوى من انتفاء العدالة وازدواج المعايير لن يحجب من وجهة نظري مسألة لطالما أشاح العرب النظر عنها بكل خفة: «المسئولية الذاتية».
أين المسئولية الذاتية في أن تصل الأوضاع حدا من التدهور يجعل محكمة الجزاء الدولية تصدر مذكرة التوقيف بحق البشير بكل اطمئنان وثقة؟ أين المسئولية الذاتية في أن تتوافر للمحكمة ما يدفعها لإصدار مذكرة التوقيف تلك..؟
المسئولية الذاتية، هي ما يتغافل عنه العرب دوما ويلقون باللائمة دوما على «خارج شيطاني لا يكف عن التآمر».
في 19 يوليو 2008، كتبت هنا بالضبط وتحت عنوان «ألا يذكركم السودان ببلد آخر؟» إن السودان يذكرنا دوما بالعراق في ظل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إنها نفس القصة. لقد حكم صدام العراق منذ انقلاب البعث الثاني عام 1968، ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط النظام في ابريل عام 2003، ثمة سجل طويل يتعين قراءته جيدا لكي نرى بوضوح المسئولية الذاتية لمن حكم العراق طيلة هذه العقود.
نحن نتحدث عن 35 عاما بالضبط، فهل كل ما جرى في هذه السنوات الطويلة لا يمكن وضعه أو تفسيره إلا في إطار رد فعل طويل ومستمر ضد مؤامرات لا تتوقف من الخارج؟
لا يمكن إسقاط المؤامرات من الاعتبار، لكن أي منطق هذا الذي لا يرى في سياسة حاكم إلا محض رد فعل على مؤامرات خارجية؟ لن تتوقف المؤامرات ومسايرة هذا المنطق أيضا لا تعفي الحاكم من المسئولية. فالإخفاق في مواجهة المؤامرات مسئولية أيضا.
لقد انحدر العراق تدريجيا في ظل حكم صدام حسين من بلد كان مؤهلا لكي يصبح نموذجا فريدا مع توافر عناصر التميز والجدارة: ثروات طبيعية من الزراعة يغذيها نهران، ثروة نفطية وفيرة وكوادر بشرية مؤهلة وبنية صناعية بدأت في العقود الأولى من القرن العشرين. لكن هذه الثروات والإمكانيات الهائلة تبددت شيئا فشيئا جراء قرارات اتخذها الحاكم سواء تعلق الأمر بتوزيع الثروة أو الاقتصاد أو الإدارة أو الدخول في حروب. لقد وفرت كل هذه السياسات والقرارات التي اتخذها الحاكم طيلة أكثر من ثلاثة عقود الأسباب والمبررات التي جعلت العالم يتقبل (نفسيا على الأقل) فكرة إطاحة الحاكم عبر غزو خارجي.
رغم هذا، فقد رأينا أن غزو العراق أمر لا يمكن القبول به تحت أي مقياس أخلاقي أو سياسي، ولم يكن مقبولا أن يتم إعدام صدام حسين بتلك الطريقة التي اعدم فيها. إنني شخصيا ضد عقوبة الإعدام وفي الوضع العراقي، مازلت أرى فيها سمة ملازمة لتاريخ العراق كان يتعين وقفها: سلسلة الثأر. فلكي يبنى المجتمع والدولة العراقية على أسس جديدة، كان يتعين من منظور تاريخي (لا بدوافع الثأر) أن لا تحمل صيغة العراق الجديد في داخلها عنصر تأزيم ظل فاعلا في التاريخ العراقي الحديث ألا وهو سلسلة الثأر والدم المستمرة.
تعالوا إلى السودان لنرى السجل، لقد حكم الرئيس البشير منذ انقلاب يونيو 1989. وقتذاك كان هناك تمرد رئيسي هو تمرد الجنوب بزعامة الحركة الشعبية لتحرير السودان. لكن لم تمض السنوات إلا واندلعت حركات التمرد في كل أقاليم السودان: جبال النوبة ودارفور في الغرب، تمرد قبائل البجه في شرق السودان ولم يبق إلا المركز في الوسط، فما هي الأسباب وراء ذلك كله؟ إن كان الجواب أن تلك التمردات ليست سوى ثمار مؤامرات خارجية، فان المنطق يقضي أيضا إكمال النصف الثاني من العبارة: هل يتمرد الناس بمحض تحريض خارجي دون أسباب قوية (خاصة بهم) تدعوهم للتمرد ومحاربة الدولة؟
هنا بالضبط نحن نتحدث عن المسئولية الذاتية، لقد ظلت النزاعات مستمرة في السودان طيلة العقدين الماضيين وكانت مأساة دارفور مستمرة طيلة سنوات أيضا، فكيف يمكن التغاضي عن مسئولية ما (أيا كان شكلها ودرجتها) للحكومة السودانية ورئيسها؟
من السهل دوما إلقاء المسئولية على الخارج والآخرين، لكن من الصعب أن نتحدث عن المسئولية الذاتية خصوصا في السياسة. إن البحث في المسئولية الذاتية لن يقودنا إلا إلى مفردة واحدة: «الإخفاق».
كاتب وصحافي بحريني
