أحدثت التطورات العلمية الحديثة في عالم الاقتصاد تغيرات وتعقيدات استدعت مزيداً من الحرص في الأداء والرقابة على الإنجاز وأيضاً الشفافية فيما يتعلق بالمخرجات والمعطيات التي يتم توظيفها في العمل المحاسبي المرتبط بالعمليات الاقتصادية وكل أوجه التعامل المالي في القطاعين العام والخاص. وفيما لو تم تطبيق معايير الشفافية بشكل جيد ونزيه بعيداً عن الاغراض الذاتية او توظيف تقارير الشفافية في غير مقصدها، فإن ذلك يساعد كثيراً مختلف الدول على تجاوز الازمات الاقتصادية ومحاربة الفساد بكل أنواعه.
وفي معرض تأييد السلطنة لمبدأ الشفافية واثرها في التنمية احتضنت مسقط أمس اعمال مؤتمر المساءلة والشفافية ودورهما في تنمية الاقتصاد الخليجي الذي تنظمه الجمعية الاقتصادية العمانية بمشاركة الجمعية الاقتصادية الخليجية وبرامج الامم المتحدة الانمائية ومنظمة الشفافية اللبنانية.
والحقيقة ان سياسة البلاد تقوم على مبدأ الشفافية والمساءلة منذ بداية النهضة المباركة، وقد أكد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على احترام هذا المبدأ من خلال كلمته السامية في افتتاح مجلس عُمان في نوفمبر الماضي حيث قال: ان مبدأ العدالة أمر لا مناص منه كما أكد على ضرورة مراجعة الجهاز الاداري للدولة لسياساته وأنظمته باعتبار ذلك مسؤولية جسيمة مناطة بموظفي الدولة. حيث يدرك جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ أن المصلحة العليا للوطن تعلو ولا يعلى عليها، مما ينعكس إيجاباً على أداء مصالح المواطنين على الوجه الأكمل، ويسرع من وتيرة التنمية الشاملة ويضبط مسيرتها ويحميها من أي انحناءات.
وعلى ذات المبادئ ينبغي ان يكون أداء جميع المؤسسات الكبيرة والصغيرة للتأمين من الانزلاق الى الاخطاء، ومن أجل توسيع دائرة المسؤولية وتوحيد الرؤى المشتركة لكل أطراف العملية التنموية في البلاد.
وكان لهذا الأداء المنضبط أثره الواضح على القائمين على إعداد تقرير منظمة الشفافية العالمية حين تعرضوا في تقريرهم لأداء السلطنة في هذا المجال، حيث فازت السلطنة بالمركز الثالث عربياً في مؤشر المنظمة كما حظيت بالمركز الثالث والخمسين على مستوى العالم من بين 180 دولة.
لذلك فإن احتضان السلطنة لمؤتمر المساءلة والشفافية سيكون له أثر كبير في تبادل المعلومات واكتساب الخبرات نحو أداء أفضل لتطوير إمكانيات الجهات المعنية بالمساءلة محلياً وإقليمياً وعالمياً. ولذلك أثره البالغ في تعزيز ثقة المستثمرين بالبيئة الاستثمارية المحلية ويحفز على احترام المواثيق الدولية في هذا المجال وأيضا الاستفادة من تجارب الآخرين لجعل بيئة العمل الحكومي والخاص اكثر وضوحاً وشفافية.
إن ضحايا الازمات الاقتصادية غالباً هم الناس العاديون، ومن ثم لا بد لهم من عوامل حماية ضد أي تلاعب في المال العام أو الخاص، وقد شهدنا في الآونة الاخيرة الى أي مدى كان للفساد الاداري في بعض الدول الكبرى أثر في تضخيم تأثير الأزمة المالية العالمية مما جعل أصواتاً كثيرة ترتفع للمطالبة بمحاسبة المتربحين من غياب الشفافية المحاسبية، والمطالبة ايضا بتشديد الرقابة الحكومية على الأداء المصرفي والتجاري والصناعي والانفاق العام لتجاوز هذه الأزمة الخطيرة.
