اعترف أنني متطفل على هذا الباب، فما لدي من معرفة فيه لا تتجاوز القراءات اليومية والمتابعة الدارجة لما يُكتَب ويقال في هذا الموضوع وفي غيره؛ وهي حصيلة لا تشفع لي في التوغل في هذه المطبات التي أجهل تفاصيلها.

ولكنني أتذكر قولاً للأصمعي، جاء فيه: «بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم وأني كثير الذنوب، مسرف على نفسي، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله عزّ وجل؛ قد بلوتها فلم أجد لها شكراً في الرخاء، ولا صبراً على البلاء، ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يُحكم أمر نفسه لتُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولكن محادثة الإخوان حياة للقلوب، وجلاء للنفوس، وتذكير من النسيان، إلخ».

وهو مدخل يناسبني الآن في النظر إلى اعتماد العراق على طاقته المعروفة في النفط والغاز والكبريت كمصدر أول للطاقة، بعد أن نُسيَت الاستفادة من المصادر الحيوية الأخرى المتوفرة على أرض العراق، وانشغل الناس، ومنهم المسؤولون، عنها بشؤون الكيانات السياسية والمحاصصة والإرهاب والانتخابات وقضايا الحياة اليومية وبناها التحتية، والعلاقات الإقليمية والدولية، وما تنتج وما تفيد، وما تعزز موقع البلد في ضمان حرية الفرد وعدالة المجتمع وسيادة القانون.

والظاهر أن نظر المسؤولين إلى موارد الطاقة يُقتصر على ما هو قائم ومتاح في أيامنا وكأن هذه الطاقة، أعني النفط والغاز والكبريت، طاقة مستدامة إلى الأبد، وعليها المعوّل لقادم الأيام؛ فلم نسمع أو نرى أي تخطيط إلى مستقبل الوضع بعد خمسين سنة، على سبيل المثال؛ حتى ليظن المرء أن الأمر مضمون للمستقبل دون عناء. هذا في حين تسعى الأمم إلى النظر في مختلف الوسائل والإمكانيات، بحثاً عما يضمن لمستقبلها قدراً من الاطمئنان.

ولنأخذ مثلاً قريباً، من أهلنا؛ مصر تحديداً، فمواردها من الغاز الطبيعي، وقناة السويس، والسياحة وتصدير العمالة المصرية، لا تكفي لضمان مستقبل آمن لها مع تزايد السكان المستمر، فأضافت إليها موارد ما يتأتى من المؤتمرات المتواصلة التي تُعقد في أراضيها وتدر عليها ثروة طائلة؛ فكل مؤتمرات شرم الشيخ، ومؤتمرات القضية الفلسطينية، المضمونة حصراً لمصر، وما أكثرها، تعقد في مصر إكراماً لدورها في رعاية القضية.

وتوفر لها مورداً مرموقاً لميزانيتها، عدا مؤتمرات القمة التي تروح وتجيء بلا فائدة، وترفد الاقتصاد المصري بما يعزز ميزانيته، ويضمن لها استمرارية الصعود، إذ لا نهاية لمؤتمراتنا التي لا تثمر شيئاً؛ وهي خطوة ذكية في استثمار موقعها العربي والإقليمي، وهي إضافة ناجحة إلى واردها من طاقة الغاز الطبيعي وقناة السويس وشرم الشيخ، والسياحة التي تآكلت، مع الأسف، بفعل الأحداث التي جرت على أرضها نتيجة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها.

هذه التجربة المصرية في استثمار المؤتمرات المتواصلة على أراضيها، وهي من الكثرة بحيث تحقق مورداً يكاد أن يكون مستداماً لميزانيتها القومية، إضافة إلى العمالة المصرية الموجودة في أكثر من مكان، تجعلنا، نحن العراقيين، نتساءل لماذا لا نستفيد من تجربة مصر الشقيقة في استثمار ما هو متيسر لدينا دون عناء؟

نفط وغاز وكبريت، ومواقع أثرية ضاربة في التاريخ، وشواهد على ثقافات متداولة عبر العصور، وآثار لا تُعدّ ولا تُحصى لمآثر تاريخية وثقافية، ومنجزات حديثة في مجال العمارة والفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

أما في إطار السياحة، فلدينا كل ما يغري السياح في البلد، من المصايف والأنهار وغابات النخيل والبرتقال والأعناب، إلى شجرة آدم، وقبور الأنبياء (هود وصالح) ومراقد الأئمة (علي والحسين والعباس وجعفر الصادق والكاظم والعسكريين) والأولياء والمتصوفة (عبدالقادر الكيلاني والسهروردي) وأرباب الرأي والأفكار المتألقة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي (أبو حنيفة النعمان والخليل بن أحمد الفراهيدي)، وقادة الفتح الإسلامي (عتبة بن غزوان).

وفي مكتباتنا ومتاحفنا، من إبداع المعاصرين، الرصافي والزهاوي والشبيبي والجواهري ومصطفى جمال الدين وعلي الوردي والسياب ونازك الملائكة ومحمود البريكان والبياتي وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر وعبدالملك نوري وسعدي يوسف ومحمد مكية ورفعت الچادرجي وقحطان المدفعي وزها حديد وجواد سليم وفائق حسن وحقي الشبلي وعزيز علي والقبانچي ويوسف عمر ومصطفى جواد وهادي العلوي وعبود الشالچي، وغيرهم العشرات ممن تظلمهم ذاكرتي الواهنة، وتحتفظ لهم ذاكرة الشعب العراقي بأطيب الأثر. كل هذه المعطيات بدائل ممكنة لمشكلات الطاقة المستقبلية لو أحسن استثمارها، فهل في مشاريع حكومتنا الوطنية ما يشير إلى اهتمامها بذلك؟

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr