فيما ينتظر الكثيرون في الشرق الأوسط وخارجه انكباب الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما على دبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي وإعطائه الأولوية المطلوبة والمنتظرة وفي موازاة ذلك المضي في ترتيب الخروج التدريجي من العراق رغم بعض البطء والتعثر، أو الانكباب على الملف الإيراني الذي قد تسرق سخونته الأضواء من الملف السابق، عبر سياسة تكون مزيجا من الحزم والدبلوماسية الانخراطية مع طهران لتفكيك العامل النووي.
أي أن يكون الرئيس الأميركي موزعا في اهتماماته بين القضية المركزية الأساسية في المنطقة والقضية الاستراتجية الأولى في المنطقة ذاتها، جاءت الحقائق على الأرض ودرجة الاشتعال في حرائق الشرق الأوسط الكبير لتفرض أولوية الملف الأفغاني على الإدارة الأميركية الجديدة. ويبدو أن أفغانستان الأزمة ستطغى على العهد الأوبامي الأول بسبب طبيعتها «القاعدية الإرهابية» التي تتعدى مخاطرها الشرق الأوسط لتكون القاعدة الخلفية ومنصة الانطلاق للجهادية القتالية في العالم.
نذكر بمقولة صارت لازمة واكتشفها الكثيرون مؤخرا مع تردي الوضع في باكستان وهي انه «من الصعب كسب حرب في أفغانستان عندما يقرر العدو أن يقاتل في باكستان». باكستان التي ينوء حكمها المدني تحت أزمات متزايدة ذات مسببات عديدة ويبدو ضعيفا ومرتبكا تعيش فترة انتقالية قد تنقلها نحو المجهول. فبقدر ما يزداد التصعيد العسكري في أفغانستان بقدر ما يتوتر الوضع في باكستان كما يشير إلى هذه المعادلة الكاتب الباكستاني البريطاني طارق علي.
ولا يكفي ضمن لعبة شراء الوقت أن تتنازل حكومة باكستان عن وادي سوات وتسليمه لحكم طالبان الباكستانية لتنفيس الاحتقان وليكون بديلا عن مزيد من المخاطر ضد باكستان بل أن هذا الاتفاق كما يرى الكثيرون يعطي زخما ويقدم نموذجا ويشجع طالبانيي باكستان على محاولة المضي قدما في سياسة التمدد والطلبنة للسيطرة على إقليم البنجاب كليا بغية السيطرة لاحقا على باكستان.
السفير الأميركي في كابول وصف باكستان بأنها تشكل مشكلة اكبر من أفغانستان بالنسبة لبلده. ويبدو اليوم أن العبور لتسوية المشكلة الأفغانية المشتعلة من جديد يمر عبر البوابة الباكستانية. واشنطن تطرح مقاربة تقوم على ثلاثية جديدة قوامها زيادة القوات على الطريقة العراقية في أفغانستان وفي هذا الخصوص يمارس نائب الرئيس الأميركي ضغوطات مباشرة على الأوروبيين للمساهمة عسكريا في هذا الأمر في إطار الحلف الأطلسي.
ثاني عناصر هذه الاستراتيجية الجديدة إبداء الاستعداد للتحدث مع بعض الطالبان، أو «الطالبان الجيدون»، عملا بنصيحة بريطانيا وبإلحاح واضح أيضا من نائب الرئيس الأميركي ذاته ولكن بتنبيه من وزير الدفاع روبرت جيتس بأن الانخراط مع بعض الطالبان يجب أن يأتي تحت سقف شروط حكومة كابول. ثالث عناصر هذه السياسة الجديدة تقوم على دعوة واشنطن وهي دعوة في بداية تبلورها لعقد مؤتمر دولي حول أفغانستان يضم كافة جيرانها وكذلك القوى المؤثرة في الملف الأفغاني والمعنية بشكل أساسي بالاستقرار في هذه الدولة الفاشلة والمهددة بالانهيار الكلي.
واشنطن تتطلع لاحتمال استخدام أراض إيرانية لإرسال إمدادات إلى أفغانستان الأمر الذي يفترض حصول حد أدنى من تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية. ويثير ذلك تساؤلا هل سيكون هذا التطبيع في هذا الملف مدخلا لتطبيع شامل أو انه تطبيع مربوط فقط بخطر مشترك على المصالح الحيوية للبلدين وبالتالي محصور في هذا الملف.
الشيء نفسه يتعلق بالتعاون مع موسكو التي يتنازعها موقفان واحد يبدي جهوزية لمساعدة واشنطن وآخر يربط هذا التعاون بمقايضة في ملفات أخرى رغم الخطر المشترك ولو المختلف بطبيعته وحجمه على الأقل في المدى المتوسط بالنسبة لكل من واشنطن وموسكو. كثيرة هي المقترحات بل هنالك زحمة في المقترحات المقدمة للإدارة الأميركية حول ما يجب أن تكون عليه سياستها الأفغانية الباكستانية الجديدة.
بعض هذه المقترحات يدعو إلى عدم الغرق في محاولة الانخراط في بناء الدولة بسبب خصوصية أفغانستان والتركيز على مقاربة كلاسيكية عسكرية ودبلوماسية عبر إقامة تحالفات خارجية موضوعية لاحتواء الحريق وإطفاءه، وتوجيه رسالة واضحة وحازمة من المحيط الإقليمي القريب والبعيد بوحدة الموقف الخارجي ضد طالبان مع الانخراط الكلي ذات الأبعاد المختلفة لتطبيع الوضع الباكستاني باعتبار أن «السد» الباكستاني يجب تدعيمه فيما تتم معالجة مسألة «الفيضان» الأفغاني.
دون ذلك، إذا انهار السد اجتاحت «مياه» الفوضى والراديكالية والجهادية القتالية منطقة شبه المحيط الهندي لتدخل بعد ذلك إلى الشرق الأوسط الصغير. البعض يقترح أيضا كما يقول هنري كيسنجر العمل على منع قيام دولة أمر واقع طالبانية ضمن الدولة الأفغانية. ويدعو إلى التعاون مع الزعماء المحليين وتسليحهم واقتباس نموذج الصحوة في العراق كما حصل في مقاطعة الانبار لاحتواء الطالبان.
وتدعو كثير من هذه المقترحات وخاصة الصادرة عن مجموعة الأزمات الدولية لتعزيز القدرة التمثيلية للسلطة الأفغانية وحكم القانون وشرعية وفعالية السلطة كمدخل أيضا لتعزيز عملية التطبيع في أفغانستان. كل هذه المقترحات المقدمة من مصادر ومواقع مختلفة سياسية وفكرية تدل على شيء أساسي وهو وجود شبه إجماع في المؤسسة الاستراتيجية الأميركية والغربية على أولوية الخطر الأفغاني وقدرته على عولمة الإرهاب بعد أقلمته عبر البوابة الباكستانية هذه المرة.
خلاصة الأمر أن باكستان التي تعتبر دائما جزءا أساسيا من الحل تتحول بسرعة فائقة لتصبح جزءا من المشكلة وقد تصبح هي كل المشكلة من حيث حجمها وانعكاساتها الخارجية فيما لو انهار الوضع الباكستاني. إنها معركة واحدة تخاض بحربين متداخلتين أفغانية وباكستانية ولو اختلفت وسائل القتال وتغيرت في كل من المسرحين اللذين يشكلان في نهاية الأمر مسرحا استراتيجيا واحدا يفترض مقاربته بشكل شامل وكلي ومتزامن.
