من البديهي أن تعاود أسعار النفط الانخفاض مرة أخرى بعد أن كادت ترتفع قليلا، والسبب في ذلك تصريحات دول «أوبك» بعدم التفكير في تخفيض الإنتاج، هذا يعكس في الواقع وجود خلافات وتباينات في الرأي و عدم تنسيق بين دول أوبك وبين الدول الأخرى المنتجة للنفط من غير الأعضاء في أوبك، وخاصة الدول صاحبة الإنتاج الكبير مثل روسيا و النرويج والمكسيك.

لقد أعلنت روسيا أنها ستخفض صادراتها من النفط الخام من خلال زيادة الاستهلاك المحلي وتوجيه المزيد من الإنتاج النفطي إلى مصانع تكرير النفط المحلية. كما أعلنت أيضا أنها تبحث إمكانية مسألة الانضمام إلى منظمة أوبك ولكن بشروط، ومن أهم هذه الشروط أن «تأخذ جميع الاتفاقات مع المنظمة طريقها نحو التنفيذ و يلتزم بها الجميع في المنظمة»، وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في أوبك يرحبون بانضمام روسيا للمنظمة.

إلا أنهم لا يوافقون صراحة على شروطها، رغم أن هذه الشروط بالقطع ستكون في مصلحة الجميع، الأمر الذي قد يدفع روسيا لطريق آخر، حيث صرح إيجور سيتشين نائب رئيس الحكومة الروسية صحفية بعد اللقاء مع وزير النفط الفنزويلي إن روسيا تقترح إنشاء بورصات جديدة للنفط يباع فيها النفط الروسي وهو ما سيساهم في تثبيت أسعار النفط. وعبر الوزير الفنزولي عن اعتقاده أن المقترحات الروسية ستلقى تجاوب ممثلي بلدان أوبك.

روسيا تتوجه بالفعل لتخفيض صادراتها النفطية بهدف إيقاف تراجع أسعار النفط. إلا أنها لم تبدأ بخفض الصادرات حتى الآن. ويرى بعض المحللين أن روسيا وإن كانت ترى صالحها في الانضمام إلى أوبك إلا أنها لن تحث خطاها في هذا الاتجاه ولو بسبب واحد هو أن الخصوصيات المناخية لا تتيح لها إغلاق الآبار النفطية.

وقد صرح نائب رئيس الوزراء الروسي ايغور سيتشين في اجتماع منظمة «أوبك» الذي عقد في فيينا في 15 مارس الجاري بأن روسيا تنوي السير في طريق التقرب التدريجي إلى منظمة أوبك، وتعتزم أولا إبرام مذكرة مع المنظمة والبحث في سبل تقارب الخطط قبل الانضمام.

وأعاد سيتشين إلى الأذهان أن المشاكل التي تواجهها روسيا والدول الأعضاء في المنظمة، تختلف كثيرا. وأشار على سبيل المثال إلى أن الظروف المناخية المريحة في معظم دول «أوبك» تتيح لهذه الدول تقليص استخراج النفط سريعا خلافا لروسيا. وأشار سيتشين إلى أن روسيا تحرص على المشاركة في أعمال منظمة البلدان المصدرة للنفط بما فيها تطبيع واستقرار أسعار النفط العالمية، إلا أنه من الضروري أن يتمسك جميع الأعضاء في «أوبك» بالتزاماتهم.

كلام المسئول الروسي يعني أن روسيا مستعدة للتنازل عن متطلباتها الداخلية واللجوء لتخفيض إنتاج النفط من أجل تحسين الأسعار، لكنها تريد من الدول أعضاء أوبك أن يتفقون معها على التخفيض، وأن يلتزمون باتفاقهم، فلا يجوز أن نتفق اليوم على التخفيض ثم نأتي بعد يومين أو ثلاثة ونقول أننا لا ننوي التخفيض، خاصة وأننا نعلم أن التصريحات «مجرد التصريحات» وحدها تؤثر على الأسعار، وهذا ما شاهدناه مؤخرا حيث انخفضت الأسعار بشكل ملحوظ لمجرد صدور تصريحات من بعض دول أوبك بعدم نيتها تخفيض الإنتاج، إذا لابد من الاتفاق على كل شيء و التنسيق في كل شيء حتى في التصريحات التي تصدر عن الدول المنتجة.

الحقيقة أنه لا توجد خلافات بين روسيا ودول أوبك، و ما يحدث ليس أكثر من عدم وجود تنسيق، وهو أمر ليس بسيط، خاصة وأنه ينعكس بسرعة على الأسعار في الأسواق، ومع ذلك تتطلع روسيا إلى توسيع تعاونها مع جميع الدول المنتجة للنفط سواء داخل أوبك أو خارجها، لأن الظروف التي تواجهها أسواق الطاقة حاليا تستلزم التعاون بين الدول المنتجة للنفط، وعدم الخضوع لضغوط وتدخلات من جهات أخرى لا يهمها سوى الحصول على الطاقة بأرخص الأسعار دون اعتبار لمصالح الدول المنتجة للنفط.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru