ردود الفعل الواسعة والمتواصلة، على مجزرة غزة؛ ما زالت تؤرق إسرائيل. الجريمة سلّطت الأضواء على ما كانت تحجبه الدعاية. ما أزعج الدولة العبرية، ليس ما لحق بصورتها من تلطيخ؛ بل ما انكشف من زيف هذه الصورة. فهذه لم تكن أصلاً إلاّ ما كانته، في هذا العدوان وقبله.

فقط مساحيق التزوير كانت تخدع العالم وتقدّم إسرائيل على غير حقيقتها. انكشاف أقلقها وحملها على تخصيص موازنة إضافية بمليوني دولار «لتحسين صورتها»؛ عبر «نشاطات ثقافية وإعلامية»، تقوم بها وزارة الخارجية وسفاراتها في العالم.

خطوة ـ على تواضع المبلغ، الذي طالب خبراء إسرائيليون برفعه إلى خمسين أو حتى مئة مليون ـ تشير ليس إلى مدى حساسية هذا الجانب فحسب؛ بل أيضاً إلى مدى خشية إسرائيل من أن تكون جريمتها الأخيرة، بداية لافتضاح أمرها مرة واحدة وإلى الأبد. لا سيما وأن انتخاباتها جاءت، في أعقاب الجريمة، بطاقم فاقع بعنصريته؛ إلى الحكم.

موضوع الصورة أخذ، منذ البداية، حيّزاً أساسياً من اهتمامات المشروع الصهيوني. قام على تسويق الاعتقاد، خاصة في الغرب، بأن إسرائيل بلد «ديمقراطي مسالم» وسط محيط «عدواني»؛ وأنها «الحليف الوحيد» له في المنطقة. أجهزة إعلام وماكينات انتخابية ودعائية وقدرات منظمات يهودية نافذة، كلها جرى استنفارها وتوظيفها للترويج لهذه الكذبة.

نجحوا في جعلها جزءاً من الوعي والنسيج الثقافي السائدين. عملية تلميع، فرضت نفسها؛ لأكثر من سبب. وبعد كل عدوان كانت تنشط زيادة، لحجب الحقائق وحماية الهالة المكتسبة بالتزييف وبالتعسف. هذه المرة، اختلفت الوضعية بعض الشيء. من جهة يبدو أن الكيل، لدى العالم، بدأ يطفح؛ من عدوانية إسرائيل واحتلالها ومستوطناتها وحصارها؛ فضلاً عن مراوغاتها وتملصها، بخصوص المفاوضات والدولة الفلسطينية الموعودة.

كما بدأ يطفح مع الحماية التي توفر لها المجال لتكون فوق القانون والأعراف الدولية. ثم إن فجورها الدموي في اجتياح غزة، كان من المتعذر قبوله، حتى في ساحات حليفة لها. ردود الفعل الصاخبة، أثناء العدوان وبعده ـ «أسبوع نظام الأبرتايد في إسرائيل» والذي شاركت فيه 54 مدينة في العالم ـ فاق التوقعات الإسرائيلية. والجديد هذه المرة، وربما هذا أكثر ما أزعجها، أن عشرات الشكاوى والطلبات تدفقت على مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، تطالبه بفتح تحقيق في جرائم حرب ارتكبتها القوات الإسرائيلية خلال اجتياح القطاع.

العدوان على غزة قدّم فرصة.. الآن على العرب والفلسطينيين اغتنامها. أحد المداخل المهمة يكمن في متابعة ملاحقتها أمام المحكمة؛ حتى النهاية. أصل الصورة الإسرائيلية بشع.. المجزرة فضحته. المطلوب جعل تلميعها متعذرا، بعد الآن.