نشر برنارد لويس مقالة في العدد الأخير من مجلة الفورين أفيرز تتناول مستقبل العالم العربي في القرن الواحد والعشرين. يتناول لويس العالم العربي خلال القرنين الماضيين حيث يضع يده على الكثير من النقاط الهامة والخلافية في الوقت نفسه. فهو يتناول تحول العالم العربي من القومية العربية إلى الانكفاء على الهم القطري الخاص.

ويؤكد على أنه بموت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لم يوجد رئيس عربي آخر لديه الإمكانيات على طرح مشروع قومي عربي يمكن أن تلتف حوله الشعوب العربية. كما يتناول دور الثروات في عالمنا العربي، وبشكل خاص النفط، الذي لم يستطع أن يغير وجه المنطقة اقتصاديا مقارنة بغيرها من المناطق الأخرى.

يعرض لويس لبعض المؤشرات الاقتصادية، مستندا إلى تقرير التنمية البشرية في العالم العربي، فيكشف أنه في عام 1999 كان إجمالي الدخل القومي العربي 2,531 مليار دولار أميركي، وهو أقل من إجمالي الدخل القومي لدولة مثل أسبانيا. واليوم فإن إجمالي الصادرات غير البترولية في العالم العربي، الذي يبلغ عدد سكانه 300 مليون نسمة، أقل مما تصدره دولة مثل فنلندا التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة. كما يشير لويس إلى العديد من المؤشرات الرقمية الأخرى مثل قلة براءات الاختراع وضعف الترجمة وحركة نشر الكتب والمعرفة، إضافة لعدم وجود أية جامعة عربية ضمن التصنيف العالمي لأفضل 500 جامعة في العالم.

يقسم لويس العالم العربي إلى شكلين سياسيين يستند أولهما إلى الاعتماد على الولاء السياسي، بينما يستند ثانيهما إلى الطاعة المرتبطة باستخدام القوة والقهر ضد الشعوب، وهو الشكل السائد في العالم العربي. ومن خلال هذه الحالة الاستبدادية يطرح لويس مستقبل العالم العربي فيما يفضي إليه الصراع بين تيارين هامين أولهما يستند إلى الثيوقراطية الإسلامية الرافضة لأي تدخل غربي مسيحي، وثانيهما يستند إلى الديمقراطية الليبرالية القائمة على الانفتاح على الآخر الغربي ودعم الحريات وسيادة القانون.

الواقع أن تشخيص لويس يبدو صحيحا إلى حد بعيد في بعض النقاط بينما يجانبه الصواب ويحركه سوء النية في بعض النقاط الأخرى. فالعالم العربي يحتاج لفلسفة أخرى في تعامله مع الآخر الغربي. فتحميل الآخر الغربي وزر مشاكلنا وأوضاعنا المتخلفة أصبحت مسألة عبثية تشير من طرف خفي لضعفنا ورغبتنا الكامنة في عدم الرغبة في إيجاد حلول جذرية لها.

كما أن مؤشرات الواقع السياسي والاقتصادي السلبية لم يأت بها لويس وفقا لأهوائه بقدر ما اعتمد فيها على تقارير التنمية البشرية العربية المحايدة. وهي مؤشرات تفضح الواقع العربي بدرجة كبيرة، وتكشف عن مدى ضعفه مقارنة بغيره من المناطق الجغرافية الأخرى حول العالم مثل آسيا وأميركا اللاتينية.

كما أننا نتحمل المسئولية الكاملة عن التفكك والانقسام العربي رغم الدور التآمري الغربي في إجهاض أية تجارب وحدوية عربية.

فالحديث عن القومية العربية بالسلب، والتأكيد المتواصل والمغرض على فشل مشاريع الوحدة العربية المختلفة، لا يعني فشل الفكرة في حد ذاتها، وعدم جدواها، بقدر ما يعني أننا نحتاج لطرح أطر وحدوية جديدة تراعي الاختلافات العربية الإثنية والدينية المختلفة. ومن الغريب في الأمر أن لويس قد فطن إلى أهمية عبد الناصر وقيمته التي تجاوزت الجغرافيات المصرية لتصنع فكرة القومية العربية كفكرة أو على الأقل كحلم، وهو ما لم تصل إليه أية زعامات عربية أخرى في المنطقة.

قد يتفق المرء أو يختلف مع الكثير من القضايا التي طرحها لويس، وهي جميعها قضايا خلافية، لكن المسألة التي تثير الكثير من الخلاف هي مسألة تقسيم العالم العربي إلى قسمين أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي، فيما يتولى جهابذة الغرب ومفكروه الدفاع عن الليبراليين ضد الإسلاميين، وتصوير المسألة برمتها على أنها تحمل بين طياتها مستقبل المنطقة ككل.

يتناسى مفكرو الغرب بخبث وتواطؤ كبيرين، وعلى رأسهم برنارد لويس، أن تقسيم المجتمعات البشرية بمثل هذا الشكل بين فئتين رئيستين مسألة ضد منطق الأمور، وضد منطق الحياة اليومية. فالعالم العربي ملئ بكافة التيارات الفكرية دينية وليبرالية ويسارية وقومية ونفعية وغيرها. بل إن التيار الديني ذاته يشتمل على العديد من التيارات المختلفة الراديكالية والمحافظة والشعبية. كما أن الاقتصار على التيار الإسلامي يظلم بدرجة كبيرة ومغرضة الإسلام حينما يتجاهل التيارات المسيحية الأخرى التي تتفاوت في توجهاتها بين تطرف واعتدال حسب درجة استفادتها من وقائع الحياة اليومية وحسب مساندة الغرب لها.

إن تصوير التيار الليبرالي على أنه خلاص العالم العربي مسألة تحتاج لإعادة نظر من حيث ضعف هذا التيار وقلة أعداد المنتمين إليه، بل والتهم الهائلة التي تلاحق الكثيرين منهم. فهذا التيار مساند في أغلب الأحيان للسلطات الحاكمة، كما أنه أيضا يستمد قوته من الآخر الغربي، ناهيك عن التمويل الهائل الذي يحصل عليه عبر العديد من القنوات، وعبر بعض التيارات المحافظة في العالم العربي. وهي مسألة مضحكة جدا أن تنهمر الأموال على الليبراليين الجدد من أكثر الأطر رجعية ومحافظة في عالمنا العربي.

المسألة الأخيرة تتعلق بمسألة التيارات الإسلامية في عالمنا العربي على كافة توجهاتها ومشاربها. فقد آن الأوان لإعادة النظر تماما في كيفية التعامل مع التيارات الإسلامية في المنطقة، فلا الحكومات استطاعت القضاء عليها، كما أن المزاج الشعبي في المنطقة، حتى لو اكتسى نزعات ليبرالية أو يسارية أو قومية، مزاج ينحو نحو الإسلام.

من هنا فإن التعامل مع هذه التيارات في ضوء الأجندة الغربية ووفقا لبرامجها وأهوائها تعامل غير بناء يصب في مصلحة الآخر الغربي، ويتعامي عن طبيعة المنطقة ومزاج شعوبها وتوجهاتهم. كما أن التيارات الإسلامية ذاتها، مستفيدة من الزخم الشعبي الهائل الذي تحصل عليه في المنطقة، مطالبة بإعادة ترتيب تصوراتها وفلسفتها وبناء مشروع نهضوي جديد يتسم بالانفتاح والمرونة من أجل مواجهة كافة التحديات التي تواجهها المنطقة، وعلى رأسها مشاريع التغريب المختلفة التي يدعمها التيار الليبرالي الذي يروج له لويس وأمثاله.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com