حينما كنت في رحلة علاج قبل سنة من هذا التاريخ وكانت أميركا تعيش بدايات حملتها الانتخابية، ذهبت إلى جامعة هارفارد لأنها قريبة من المستشفى الذي كنت أتلقى العلاج فيه، وللذكرى اشتريت «تي شيرت» جامعة هارفارد العريقة ليكون تذكاراً من تلك الجامعة .

وكعادتي على تفحص أي صنع بضاعة قبل شرائها، بالذات لمعرفة مكوناتها، فإنني اكتشفت أن «تي شيرت» جامعة هارفارد الشهيرة، التي هي إحدى الرموز القومية للولايات المتحدة الأميركية، قد صنعت بالصين!! ولعل ذلك أبلغ تعبير عن الصعوبات التي يواجهها أوباما في سعيه إلى استنهاض اقتصاد أميركا المتهاوي!!

فمن تجوالي في «مول بيرلنجتون» بالقرب من مدينة بوسطن العريقة – وهي سوق مصغرة لكل مجمعات الولايات المتحدة الأميركية – اكتشفت أن لا شيء من الملبوسات ولعب الأطفال مصنع على الأرض الأميركية وبأيدي قوتها العاملة، فكلها – دون مبالغة – قادمة من مناطق شتى من هذه المعمورة وتحديداً من الدول التابعة للعالم الثالث إضافة إلى الصين، التي بتنا لا نعرف كيف نصنفها!!

فــ «العلامات» وشركاتها أميركية لكنها لا تعمل على الأرض الأميركية، حيث هاجرت إلى حيث يكون عائد رأس المال أعلى، وهو بالطبع أعلى في تلك البلدان التي ترخص فيها الأيدي العاملة والقريبة من مواد البناء وربما الأسواق أيضاً!! أما الصناعات التي ظلت على الأرض الأميركية، والتي كانت «رمزاً» للتفوق الأميركي ومجتمع الرفاه والطبقة المتوسطة، كصناعة السيارات مثلاً، فإنها ظلت «تقليدية» لا تواكب متطلبات العصر، من حيث كفاءتها في استهلاك الطاقة وقطع الغيار والرفاهية.

وفي سياسة السوق المفتوحة المعولمة والتجارة الحرة، مال المستهلكون الأميركيون – ويعدون بالملايين – إلى تلك المنتجات القادمة لهم عبر البحارة بالذات من اليابان وأوربا، فكسدت صناعاتهم واضطربت أحوال طبقتهم العمالية، وكسدت تجارة طبقتهم المتوسطة!!

جاء ذلك مع «فلتان» مالي واستثماري وتحرير آليات السوق من كل قيد، وضع هندسته الجمهوريون منذ أيام ريغان في السبعينات وسار على دربه الديمقراطيون، ونَظَّر له الاقتصاديون أمثال «آلان جرينسبان» ( رئيس البنك المركزي الأميركي السابق ) وتدعم بانهيار المنظومة الاشتراكية وفشل نزعتها في التخطيط الاقتصادي المركزي.

وفي العولمة التي أضحت حقيقة موضوعية! والأوضاع المالية والاقتصادية في أميركا إنما تمثل تعقد المشهد السياسي العالمي، فالولايات المتحدة الأميركية هي أكبر قوة اقتصادية، وإصابتها هذه الأيام بالكساد بدأ ينسحب على كل العالم ليسبب له أزمة مالية طاحنة باتت تأخذ بتلابيب الجميع وتلف المشهد العالمي بغموض وتجعله مفتوحاً على كل الاحتمالات!!

ومثل الأزمة التي نعيشها هذه الأيام كانت في الزمن الماضي تقود إلى حروب بين الدول الكبرى، فالحرب العالمية الأولى كانت بحثاً عن الأسواق بعد أن نمت الصناعة الألمانية واليابانية وأرادت أن يكون لها موطئ قدم خارج أسواقها المحلية.

والحرب العالمية الثانية كانت بسبب العقوبات التي فرضت على ألمانيا المهزومة وصعود نجم القومية الاشتراكية بقيادة هتلر ونزعته العنصرية الشعوبية بسبب الضائقة الاقتصادية التي عانت منها ألمانيا نتيجة لحصار الدول الكبرى لها، وغض الطرف عن هتلر وتوجهاته العنصرية من قبل الدول الغربية رغبة منهم في محاربة التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، اعتقاداً منهم أن «النازية» ستكون عدوتها «الشيوعية»!!

والمشهد السياسي الحالي يشهد تآكلاً في القطبية الفردية التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، ويميل إلى نشوء كتل متعددة سيكون التنافس بينها شديداً على الأسواق وعلى مصادر الخامات.

كما هو جار بضراوة بين الصين والولايات المتحدة هذه الأيام على القارة السوداء أفريقيا. تتبلور الكتلة الأوروبية، التي أخذت باستيعاب دول أوربا الشرقية سابقاً، مع «تمنع» وتردد من بريطانيا، وتظهر في أميركا اللاتينية قوة البرازيل مع ظهور التيار «الشعبوي» وتحول أنظمة القارة إلى أشكال مستحدثة من الاشتراكية.

وتغوص روسيا في أزمة «هوية» بين ماضيها التليد في ظل النظام الاشتراكي، وحاضرها المثقل بالإخفاقات وبصراعات قومية مع جيرانها الذين كانوا جزءاً من امبرطوريتها. أما اليابان، فقد فقدت بريقها «التقني» وأضحت تقف وحيدة في محيط أخذت الصين تسيطر عليه شيئاً فشيئاً، وهي تحاول إنقاذ شركاتها المتعثرة بشتى السبل!!

ليست المشكلة في التكتلات الكبيرة، بل وأيضاً ما تمثله الدول الصغيرة من «وجع للرأس»، فإصرار كوريا الشمالية على برنامجها النووي، هي وإيران يمثلان تهديداً لتوازن القوى في إقليميهما، وانفلات الوضع الباكستاني ذات الأسنان النووية تحت ضغوط التيارات الأصولية يمثل تهديداً للاستقرار في القارة الهندية.

واستمرار الأوضاع غير المحسومة في أفغانستان سيضعف من إصرار التحالف الغربي على مساعدة النظام الجديد، إلا إذا نجحت محاولات الحكومة الأميركية في استيعاب جزء أساسي من عناصر طالبان التي تقبل العمل مع الحكومة القائمة!! ولعل استمرار الجمود في محاولات إحلال سلام في الشرق الأوسط، وعدم جدية الحكومة الإسرائيلية في الالتزام بتعهداتها وتحولها إلى اليمين، سيزيد الموقف تفاقماً في مثل هذه المنطقة الحيوية بالنسبة للعالم.

أما مشكلات العالم «غير السياسية» أو غير «الاقتصادية البحتة» فحدث ولا حرج، فالاحتباس الحراري قد «خرج من عقاله»، والتلوث بات يحول المدن الكبيرة إلى مداخن، ونقص مصادر المياه والتصحر وغيرها من مشكلات يضيق المقام بذكرها!!

مشهد عالمي معقد ومعطيات جديدة تتطلب تضافرا دولياً وخلق نظام عالمي يضحي فيه الجميع بقدر معين ليعيش الجميع بطمأنينة وسلام.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com