يشكل الدين في مجتمعاتنا العماد الذي تتشكل في إطاره كل الفضاءات القائمة. فمنه تستمد الأنظمة جل إن لم يكن كل شرعيتها السياسية وباسمه أقيمت أنظمة وأطيحت أخرى. وهو في هذا دين الدولة وإن لم يكن دين كل رعاياها.. كما أن باسمه تشن الحروب والصراعات وباسمه كذلك تُنهى الحروب والصراعات. ويدخل الناس في أتون هذه الحروب والصراعات برغبة أو بعنوة من حيث أنهم يجدون أنفسهم في هذا وقود هذه الحروب وعتادها.
وأصبح الدين في البلاد العربية موضوع صراع، فهم، أي العرب، قد تصارعوا فيما بينهم في السياسة باسم الدين، ودخل الآخرون لبلادهم مستعمرين باسم الدين، وقد حاربهم العرب والمسلمون باسم دينهم ضد دين.
وقد عانت الأنظمة العربية في حقبة الخمسينات والستينات من مشكلات قادتها جماعات قومية ويسارية حاربتها بعض الأنظمة العربية باسم الدين إلا أنها، أي الأنظمة العربية، ما برحت أن عانت من مشكلات سياسية جديدة قادتها جماعات سياسية جديدة أفرزها الحال الاجتماعي السياسي المعاش. حمل بعضها رايات خضراء وصفراء وسوداء.
وعشق بعضها الموت لنفسه ولغيره باسم الدين ووجد مما يطرحه هو ذاته الحق كله وما عند الآخر لم يكن إلا كفرا وضلالة. ووجد بعضها في الأنظمة العربية خروجا عن الدين لا يمكن أن يقوم إلا بالقوة، هذه القوة التي رغم أنها قد أطاحت بنظام كابول صنيعة الاتحاد السوفييتي، إلا أنها لم تسترجع الدولة المباحة بعد رغم سقوطها قبل أكثر من الثلاثة عقود.
ورغم اختلاف الألوان والمشارب ولربما المذاهب بين هذه الجماعات التي قد يصل الأمر فيما بينها حد الاقتتال، إلا أنها قد ناصبت العداء في هذا للدولة باسم الدين، بل أن الدولة في بعض حالاتها قد ناصبتها العداء وحاربتها باسم الدين. إلا أن المفارقة هي بين ما سمي بالدين السوي والخارجين عليه. وهي في هذا توظف أفراد ومؤسسات يفندون في ذلك ما تأتي به هذه الجماعات من أطروحات وأعمال يحاول أن يفندها الآخر بتفسير اخر وبأعمال أخرى. فالكل في هذا يشحن ما عنده من عتاد وقوة عقلية وبشرية ومادية. إلا أن الكل يحاول أن يصرع الآخر باسمه. والكل في هذا يعتقد من أنه يحمل كل الحقيقة التي لا يحملها إلا الله سبحانه.
وباسم الدين توهب الحياة للبعض وتسلب من البعض الآخر، وباسمه قد ارتكبت في هذا الأخطاء والحروب والصراعات والمذابح. سواء أكان ذلك قديما أم حديثا. فالعصر لم يغير من توظيفاتنا للدين ولم يغير من فهم البعض له كقيمة تسمو بالإنسان لا أن تطيح به.
فالدين كان الشحنة التي بها حاربت شعوب هذه المنطقة الاستعمار الغربي، بل ان الدين قد جاء بالآخر لهذه البقعة من العالم. فالحروب القديمة والجديدة قد وظف فيها الدين رغم علمانية الآخر في الداخل. فالدين في هذا يشكل مواقف الآخر منا كما يشكل مواقفنا من الآخر. وهو في هذا أداة الشحن ضد الاخر المختلف. ورغم أن الدين جاء من عند الله لسائر الخلق، إلا أن بني البشر باسمه أو باسم راياته يتقاتلون ويتصارعون في حروب وصراعات على القوة والنفوذ والمصالح.
ويتحول الدين بفعل ذلك إلى شكل من أشكال الأيديولوجيا تبدو القوة في كثرة متبعيها لا المؤمنين بها، ليوظف متبنوها في حروب للساسة والدعاة، بل تصبح القدرة على اختراق الجماعة الأخرى، عند البعض، أداة في تقوية الأنا أو المحافظة عليها وإضعاف للآخر. وتنفق في هذا الدول والجماعات الأموال وترسل الرسل والمبشرين بأفكارها لبقاع الأرض لرغبة في اختراق الآخر المختلف والعمل على أن يتماه مع الذات وأن يؤمن في ما تؤمن به. من هنا اشتكت دول وأفراد ودعاة من اختراقات تتم بقصد تحويل أفراد وجماعات من مذهب لآخر ومن دين لآخر.
وتدخل في هذا الدول والجماعات والمؤسسات في صراع باسم الدين أو لشغل الدين، وهو في هذا صراع على القوة والنفوذ لا صراع على الدين أو في الدين. فلم يشتك الغرب من اسلمة أتباعه بل اشتكينا من تنصير لأتباعنا ومن تحول بعضنا نحو الآخر هذه الشكوى التي لم تكن يوما تعني عند البعض منا شيئا فالتحول أو الاستمرار كان دائما شأنا يشكله الفضاء الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد ولم يكن في هذا يحمل أية مدلولات سياسية حتى جئنا فأعطيناه هكذا أمرا.
كاتب بحريني
