انتهت معركة ترشيح السفير الأميركي السابق تشارلز فريمان لمنصب حساس في إدارة أوباما بسحب الترشيح بعد حملة منظمة شنها ضده لوبي إسرائيل. وقد عكست تلك المعركة المدى الذي وصل إليه تطرف ذلك اللوبي.
والقصة بدأت حين أعلن دنيس بلير مدير الاستخبارات العامة الأميركية أنه قد وقع اختياره على الدبلوماسي السابق تشارلز فريمان ليتولى منصب رئيس مجلس الاستخبارات. وهو منصب حساس تصب عند من يتولاه التقارير التي تعدها كل أجهزة المخابرات المختلفة ومهمته التعامل معها بشكل فاحص وتحليلي تمهيدا لرفع التوصيات بشأنها إلى الرئيس الأميركي.
وتشارلز فريمان دبلوماسي خدم طوال حياته في الخارجية الأميركية وعمل في مناصب متعددة وفى ظل إدارات ديمقراطية وجمهورية على السواء فكان على سبيل المثال نائبا لمساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا في الثمانينات، كما تولى مناصب أخرى ذات صلة بشرق آسيا وهو يتحدث الصينية بطلاقة حتى أنه كان المترجم الخاص للرئيس نيكسون. وقد عمل فريمان أيضا سفيرا لبلاده في المملكة السعودية قبل تقاعده في 1994.
وفريمان معروف بين زملائه والذين عملوا معه بأنه صاحب عقلية نقدية تحليلية وهو الذي أهله للمنصب المذكور حسب دفاع دنيس بلير عنه فهو حسب ما قيل قادر على «التفكير خارج السرب» الأمر الذي يؤهله لطرح ذلك النوع من الأسئلة التي تدفع أجهزة الاستخبارات لاستكمال معلوماتها أو التأكد من دقتها. هذا فضلا عن أنه صاحب شخصية مستقلة يصعب لي ذراعها أو إسكاتها. ولعل هذا هو تحديدا أحد الأسباب المهمة وراء الحملة التي شنها أنصار إسرائيل ضده.
فعلى مدى أسابيع ثلاثة خرجت أصوات معروفة بتطرفها في دعم إسرائيل لتشن حملة تجريح واغتيال معنوي منظمة شملت صحف ومدونات عديدة بل انضم لها أعضاء في الكونجرس كان على رأسهم نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب والسناتور تشارلز تشومر الذي اتصل مباشرة برام إموانيل رئيس الجهاز الفني للبيت الأبيض طالبا تدخله لاستبعاد الرجل.
وقد اتهم هؤلاء فريمان بأشياء لا حصر لها كان منها على سبيل المثال أنه «متعاطف مع وجهة النظر السعودية»، أو أن آراءه يسهل أن تجد «مثلها تماما في وزارة الخارجية السعودية». إلا أن الاتهام الأهم كان أن مواقفه إزاء الصراع العربي الإسرائيلي «متوازنة»! وهو أمر قال منتقدوه صراحة أنه غير مقبول. فعلى سبيل المثال، نقلت الصحف عن أحد مسؤولي إيباك قوله إن «كلمة متوازن صارت ذات دلالات سلبية لأنها تعنى أن على أميركا أن تتخذ موقفا محايدا من الصراع العربي الإسرائيلي وهو ما لن يحدث»!!.
وجوهر مشكلة لوبي إسرائيل مع فريمان كانت نابعة من أمرين أولهما أنه خدم في بلد عربي كبير وهو ما وصفه أحدهم صراحة بقوله «إن مجرد أنه خدم في الرياض معناه أنه قد صارت له علاقات وثيقة بالسعودية»، وثانيهما أنه صاحب فكر مستقل قاده لأن يصل لقناعة مؤداها أن تأييد أميركا الأعمى للاحتلال الإسرائيلي يهدد الأمن القومي الأميركي.
وفى الحقيقة فإن تلك ليست هي المرة الأولى التي يستهدف فيها أنصار إسرائيل أحدا يتوفر فيه أحد الأمرين أو هما معا. فهم استهدفوا روبرت مالى مثلا الذي عمل مع كلينتون ثم انضم لحملة أوباما الانتخابية وكان جرمه أنه اتخذ موقفا مستقلا فند فيه القصة التي روج لها اللوبي في نهاية عهد كلينتون والتي حملت عرفات مسؤولية انهيار كامب ديفيد. فظلوا يستهدفونه حتى استغنت عنه حملة أوباما. لكن قصة دانيال كيرتزر أكثر دلالة.
فكيرتزر اليهودي الأورثوذكسي كانت مشكلته مضاعفة، فهو لم يخدم فقط في مصر (رغم أنه خدم أيضا في تل أبيب) لكنه أيضا كان يفكر بشكل مستقل عن اللوبي. فتعرض هو الآخر لهجوم ضار حين انضم مبكرا لحملة أوباما وكانت الحملة تستهدف استبعاده تماما من تعيينات الإدارة فيما بعد.
ولا ينبغي أن يؤخذ ذلك النوع من القصص باعتباره مجرد دليل إضافي على قوة لوبي إسرائيل. فالقاصي والداني يعرف أن لوبي إسرائيل أحد أقوى جماعات المصالح في واشنطن وهو في ذلك يستخدم كل الأساليب التي تستخدمها غيره من جماعات المصالح. أي هي أساليب معروفة وليست حكرا عليه. لكن دلالة قصة فريمان والقصص المماثلة هي أنها تكشف عن أسلوب ينفرد به لوبي إسرائيل ولا علاقة له بتلك الأساليب الأخرى التي تدور كلها في إطار القانون الأميركي.
وهو أنه يسعى بانتظام لإسكات كل من يختلف معه بمن في ذلك اليهود بل وأنصار إسرائيل، وذلك عبر اغتيالهم معنويا وتوصيل رسالة مؤداها أن القضاء على المستقبل السياسي هو مصير كل من تسول له نفسه اتخاذ مواقف مختلفة عن اللوبي أو تنتقد إسرائيل.
ومن هنا فإن تلك القصص لا تعبر عن قوة اللوبي بقدر ما تعبر عن المدى الذي وصل إليه تطرفه. فمنذ السبعينات صارت الرموز المهيمنة على كبرى المنظمات المؤيدة لإسرائيل تقف على أقصى يمين الساحة الأميركية بل واليهودية ولا تعبر حتى عن أغلبية اليهود الأميركيين وفق كل استطلاعات الرأي.
لكن قصة فريمان حملت جانبا إيجابيا. صحيح أن الرجل انسحب من الترشيح للمنصب فكانت تلك هزيمة لصوت العقل الحر إلا أن الكثير من الأصوات اليهودية الأميركية كانت في مقدمة المدافعين عن فريمان ضد تطرف لوبي إسرائيل. ولعل أهم ما كشفت عنه تلك المعركة بالمقارنة بالمعارك السابقة هو أن تلك الأصوات صارت أعلى بكثير من ذي قبل وصارت مستعدة لفضح لوبي إسرائيل وكشف تطرفه على أوسع نطاق.
كاتبة مصرية