في سباق التتابع السياسي كانت لنا مواسم وفترات مع ابتكار المفاهيم والمشاريع التي لا تطبق، وظل تحريك الشارع العربي بالمذياع قبل انتشار التقنيات الحديثة، من الأمور السهلة، حتى إن بعض المذيعين صار بنجومية كبار الفنانين والرياضيين ، وكان الأستاذ عبدالله القصيمي، الذي اشتهر بعنوان أحد كتبه بأن «العرب ظاهرة صوتية» كان ينطلق من تلك المرحلة حتى إن الوعي الذي رافق التهييج صار يصدق الأقاويل غير الحقيقية، لأنه على إيمان بصحتها.
وقد انتشرت في تلك الفترة الصحف المهاجرة التي دخلت المزادات بسرعة الانتقال من ولاء لآخر حسب ما تدفعه كل جهة، وظلت عواصم عربية مصدر جذب لتصدير تلك السياسات التي ظلت مهمة لتحريك الشارع، وبيئة تجسس للدول الأجنبية التي أصبح لديها القدرة على الانقلاب على الأنظمة وتحويلها من خط يساري الى يميني او العكس بمغامرات صغيرة لا تتعدى حصار القصر وإعلان البيان الأول في فجر يوم الانقلاب لتأتي عملية سجن او تصفية الخصوم الباب الثاني في التعبير عن الثورة، في حين أن المخطط أجنبي، والأداة عربية.
انتشرت أيضاً ثقافة الوحدة الاندماجية، أو الاتحاد، أو التضامن، وكلّ يرفع الشعار الذي يناسبه، لكن فشل الوحدات و«الكونفدراليات» كان بسبب أن بنية المشاريع جاءت فوقية، أي أن المشاركة الشعبية كانت تسيّرها العواطف، وحتى أصحاب التجارب العقلاء الذين انتقدوا الطوفان المسيّس، كان يُنظر إليهم بأنهم من بقايا الاستعمار وثقافته ومدارسه، غير أن الصدام مع إسرائيل في حرب 7691م وخسارة العرب أدارا أفلاك تلك القناعات ليرسيا مفاهيم أكثر خطورة، بأن الفارق الحضاري مع إسرائيل شكّل فجوة كبيرة، في وقت كانت الجزائر تهزم فرنسا وجيوشها الأقوى والأكثر تقدماً من إسرائيل.
وأن دولاً عديدة مثل الهند استطاعت أن تهزم بريطانيا العظمى بوسائلها السلمية حين جاءت دعوات غاندي بمقاطعة بضائعها، والإضرابات الطويلة وعدم التعامل مع أي نشاط بريطاني، وهي الأفقر والأكثر تنوعاً وتناقضاً في لغاتها وحياتها الاجتماعية، غير أن تسويغ الخطأ وتبريره، هو الذي جعل العرب يسمون الهزيمة نكسة، والانقلاب ثورة، واليسار ديموقراطياً، واليمين امبريالياً، وقد أخذنا هذه السلفة المستديمة لتصبح أفكاراً يُبنى عليها وهْ م التنمية والتقدم.
في حين كانت الدول الانقلابية التي ظلت سلة غذاء ومصانع تكفي الحاجات الضرورية، وتصدر فوائضها الزراعية، أكبر من يعيش على المعونات والسلف من المصادر المختلفة غربية وشرقية، وأكثر من يستورد السلاح ليتحول الى خردة يعاد تصنيعها او إهمالها.
ويأتي التساؤل بعد تلك المراحل، هل الوعي العربي بدأ يتطور ويكبر، أم أنه لا يزال متخلفاً، وبدلاً من القومية والفكر الاشتراكي، ذهب الى التطرف الديني، او الرفض بدون معايير تقوّم هذه المرحلة؟.
بالتأكيد أننا نعيش مرحلة انتقالية كبيرة سوف تضفي العديد من الآثار السلبية، لأن انتشار التقنيات ووسائل المعرفة أعطتنا فرزاً جديداً، وهي مقدمات لفهم أكثر نضجاً ونقداً للواقع وتبعاته من أجل ترسيخ مستقبل أفضل.
