قبل انعقاد قمة ستراسبورغ الأطلسية في الثالث والرابع من أبريل المقبل، وفي خطاب ألقاه في مدرسة الحرب في باريس الأسبوع الماضي، هيأ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومستشاريه المناخ السياسي لعودة فرنسا إلى القيادة العسكرية للحلف الأطلسي بعد 43 عاما على انشقاق الجنرال ديغول «عن منظمة دفاعية تديرها المصالح الأميركية».

فمن خلال رسالة أرسلها الجنرال ديغول (وكان قد أعيد انتخابه رئيسا لفرنسا بواسطة الاستفتاء العام، مع حصوله على 55 في المئة، مقابل 45 في المئة لفراسوا ميتران) في 7 مارس 1966 إلى الرئيس الأميركي ليندون جونسون انسحاب فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة لمنظمة حلف شمال الأطلسي (التي تأسست عام 1949).

وحدد ديغول الموقع الجديد الذي اختارته فرنسا لنفسها، من خلال: «استعادة الممارسة الكاملة لسيادتها على أراضيها، وهي المخترقة حالياً من خلال الوجود الدائم لعناصرٍ عسكريّة حليفة أو من خلال الاستخدام الاعتيادي لأجوائها، والتوقّف عن المشاركة في القيادات المشتركة.

وعدم وضعها قوّات بتصرّف حلف شمال الأطلسي بعد الآن». ولا شكّ بأنها «مستعدّة للاتفاق مع (حلفائها) فيما يتعلّق بالتسهيلات العسكرية التي يجب تبادلها في حال نشوب حربٍ ستخوضها إلى جانبهم». باختصار، إنّها «تعتقد بأنّ عليها أن تعدّل، لحسابها، شكل التحالف دون تغيير مضمونه».

في مواجهة أطروحة وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، الذي قدم رؤية للعالم يهيمن عليها الخطر الشيوعي والسوفيتي في اتجاه أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، اعتبر الجنرال ديغول السياسة السوفيتية وطنية، أو قومية، قبل كل شيء، لأنها تستخدم الشيوعية، كما قال صراحة لمحاوره الأميركي: «مثلما تستخدمون أنتم الكونغرس».

لقد رفض الجنرال ديغول أن يكون تابعاً لواشنطن، ورفض أيضا قبول الأسلحة النووية الأميركية فوق أراضي فرنسا، إلا إذا كان لها الإشراف الكامل عليها، (وهذا ما لا تقبل به الولايات المتحدة بطبيعة الحال). من هنا كانت مواقفه التاريخية الشهيرة، انسحابه من القيادة المشتركة لحلف شمال الأطلسي العام 1966، وخطابه الشهير في «بنوبه نيه»، في العام عينه الذي ندد فيه بالحرب الأميركية على فيتنام.

ومع ذلك لا يمكن أن نصف العلاقات الفرنسية - الأميركية، حتى في عهد الجنرال ديغول بأنها صراعيه. ففي أزمة الصواريخ التي نشرها السوفيت في كوبا العام 1962، وقف ديغول إلى جانب كينيدي.

أما علاقاته مع الرؤساء الأميركيين، فإنها لم تكن تتسم بالمعارضة المبدئية، فهي أخوية مع إيزنهاور، ومتناقضة مع كينيدي، وصراعيه مع جونسون. إن الاستشهاد بهذا التاريخ الحي مهم جدا، لأنه لم يسبق لفرنسا أن قالت لا للولايات المتحدة، عندما طلبت هذه الأخيرة تضامنها، إلا مع الرئيس السابق جاك شيراك.

أما بالنسبة لفرانسوا ميتران فتتلخص عودة فرنسا الكاملة إلى الحلف الأطلسي في العبارة التالية: «نحن نتحرك حين يتغير حلف الأطلسي». وبعد عام 1995 حاول الرئيس السابق جاك شيراك الوصول إلى مقاربة من نوع آخر، «سنتغير من أجل تحريك الحلف الأطلسي»، فاشترط إذا اندماج فرنسا مجددا بتوازن الحلف لمصلحة الأوروبيين.

التحول الذي أراده الرئيس ساركوزي يجب أن يختم في بداية أبريل المقبل في مدينتي ستراسبورغ الفرنسية وكيل الألمانية، تاريخ انعقاد القمة التي تتميز بخصوصية معينة ألا وهي احتفالها بالذكرى الستين لميلاد الحلف الأطلسي التي سيشارك فيها الرئيس الأميركي بارك أوباما.

الرئيس ساركوزي قدم حججاً كثيرة للدفاع عن عودة فرنسا للقيادة المشتركة للحلف، ومنها قوله: «إن أمة وحدها، معزولة، لا يمكن لها أن تؤثر وتزن في اتخاذ القرارات ولابد لها من الاجتماع مع الآخرين والتحالف».

ووصل ساركوزي إلى نتيجة مفادها أن فرنسا المتوحدة لم تعد قادرة على دفع ثمن طموحاتها كقوة عظمى ـ متوسطة، ولم تعد إمكاناتها العسكرية والإستراتيجية متطابقة مع طموحات كبيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا والخليج العربي، ومناطق تأثيرها التاريخي، للتعامل ندا لند مع واشنطن، أو أن تفرض عليها حدا أدنى من مشاركتها القرار في حل النزاعات، أو الحفاظ على مصالحها.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org