مرة أخرى نجد أنفسنا أمام «سطوة ـ أو أسطورة ـ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة»، إذ تستحضر لنا قصة سحب «تشارلز فريمان» ترشيحه لمنصب رئيس مجلس المخابرات القومي الأميركي بفعل الضغط الذي مارسه اللوبي الصهيوني على المؤسسة الأميركية المقررة وخاصة على مستوى الكونغرس الأميركي، ملف مرتكزات منظومة العلاقات ما بين «إسرائيل» والإدارة الأميركية...!
فقد سحب فريمان ترشيحه بعدما احتج أعضاء بالكونغرس على تعليقات أدلى بها في السابق عن «قمع إسرائيل للفلسطينيين»، وقالت صحيفة واشنطن بوست «إن فريمان اضطر للقيام بهذه الخطوة بعد حملة شنت ضده على الإنترنت وأثارت جدلا بشأن مدى القوة التي يتمتع بها اللوبي الموالي لإسرائيل في ممارسة تدخل استثنائي غير مشروع لتحديد من يحق له العمل في إدارة الرئيس باراك أوباما».
واعتبر الكاتب ديفيد برودر في مقال بالصحيفة «أن الإدارة الأميركية تكبدت ما وصفها بالهزيمة المحرجة على أيدي جماعات الضغط التي كان الرئيس قد تعهد بأن يلزمها هي وأصدقاءها داخل الكونغرس حدودهم». وأضاف برودر «إنها نهاية مذلّة لمسيرة رجل تبوأ أرفع المراتب الدولية في الحكومة الأميركية».
ولذلك ـ حينما كان اعلن الأدميرال توماس مورير، مسؤول غرفة العمليات البحرية في الولايات المتحدة (1967 ـ 1970) ورئيس الأركان العامة المشتركة (1970 ـ 1974) انه «لا يستطيع أي رئيس أميركي مواجهة إسرائيل»، فلم يكن مهولا أو بعيدا عن حقيقة منظومة العلاقات ما بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»، وقال المحلل بول روبرتس في مقال له بعد ذلك «انه ربما كان مورير آخر قائد عسكري أميركي يتمتع بتفكير مستقل».
وقد شهدت تلك العلاقة الثنائية ما بين البلدين المزيد والمزيد من الترسخ والتوطد وربما التبعية الأميركية للسياسات الاسرائيلية إلى حد كبير كما جاء في العديد من الادبيات والتصريحات الأميركية، والتي كان اهمها على الاطلاق تلك الشهادة التي قدمها الباحثان ألاميركيان «جون ميرشايمر» و«ستيفن والت»، اللذان اعربا في مارس 2006، في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» عن قلقهما البالغ حيال واقع «أن اللوبي الإسرائيلي يقوم بحرف السياسة الخارجية الأميركية عن مسارها ويوجهها نحو اتجاهات لا تخدم مصالح الولايات المتحدة ولا مصالح إسرائيل نفسها».
ويقول روبرتس هنا: «كان الأمل يحدو هذين الخبيرين في الشروع بنقاش جدي قد يتمكن من إنقاذ الولايات المتحدة وإسرائيل من سياسات فاشلة قائمة على الإكراه والقهر جل ما تفعله هو زيادة حدة الكراهية ضد إسرائيل والولايات المتحدة، لكن اللوبي الإسرائيلي يعارض أي عملية إعادة تقييم من هذا النوع ويحاول وقفها عن طريق إطلاق نعوت شتى مثل «ملاحقو اليهود» و«معاداة السامية» وحتى «معاداة أميركا».
كما يعارض مواطنون إسرائيليون، في الوقت الحالي، الخطط الصهيونية الخاصة بمشروع إسرائيل الكبرى ويصفونها بأنها «معادية للصهيونية».. ويوضح الباحثان كما مورير «إن أي سياسي أميركي طموح لا يجرؤ على الاعتراف علانية بذلك، نظراً للقوة الكبيرة التي يتمتع بها اللوبي الإسرائيلي في أميركا».
وفي السياق ذاته، فجر معهد أبحاث الشرق الأوسط في واشنطن فضيحة جديدة للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة حينما أجرى استطلاعا لآراء نحو 2300 أكاديمي أميركي لمعرفة آرائهم في تقرير البروفيسورين المشار اليهما أعلاه فأكد 86% منهم أن اللوبي الإسرائيلي يقوم بوضع مصالح إسرائيل فوق المصالح القومية للولايات المتحدة ...!
ما كان الناشط الإسرائيلي يوري أفنيري» قد أكده في تقرير نشره قائلا: «إن الباحثين الأميركيين يمسكان في كتابهما بالثور من قرنيه ويعالجان موضوعا بمثابة «تابو» خطير في الولايات المتحدة لا يجرؤ عاقل على طرقه بسبب التأثير البالغ لجماعات التأليب الصهيونية «اللوبي»، في صناعة القرار في واشنطن».
ويضيف أفنيري «إن اللوبي الإسرائيلي في واشنطن يتجاوز كافة المعايير بقوة نفوذه»، لافتا ل«قدرته على إخراس كل انتقاد لـ إسرائيل في الكونجرس ووسائل الإعلام وتصفية كل من يخل ب«التابو سياسيا ومنع كل عمل مناف لرغبته»، موضحا: «من الناحية العملية فإن الولايات المتحدة تعتبر منطقة محتلة من قبل اسرائيل، وهذا ليس احتلالاً مباشراً، مكشوفاً، وحشياً، وغبياً مثل الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة.
وانما هو احتلال محكم ليس له مثيل أو شبيه أو أسوأ منه في الواقع العالمي، وربما ليس في تاريخ الشعوب، حيث مركز ثقل إسرائيل هو الكونغرس الأميركي بمجلسيه اللذين يلعبان دوراً مركزياً في النظام السياسي الأميركي، وبالتالي فإن السيطرة الإسرائيلية على الأجهزة صاحبة القرار في الولايات المتحدة مطلقة تقريباً، والحكم الإسرائيلي في نيويورك وواشنطن مستقر بصورة لا تقارن مع الحكم الاسرائيلي في غزة ورام الله...»، مستخلصا» قد أكد في مقالة قديمة له حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تضغط على إسرائيل لأنها غير قادرة على ذلك.
وذهب «ناحوم برنياع» المحلل السياسي في يديعوت احرونوت إلى حد التأكيد» أن إسرائيل ستبقى- في جميع الاحوال- طفلا مدللا للحزبين في أميركا».
إذن هو احتلال وحكم صهيوني للبيت الابيض والكونغرس بمجلسيه، وهذه الحقيقة الكبيرة الصارخة ليست فقط استخلاصاً «افنيريا»، فالوقائع الماثلة أمامنا كبيرة ودامغة هي الأخرى.
ولذلك ـ في ضوء هذا الكم من الشهادات الموثقة حول ذلك الدور الصهيوني للوبيات الصهيونية المتنفذة وتأثيرها على الادارة والكونغرس والسياسات الأميركية الشرق اوسطية على نحو حصري، فلا دهشة اذن في الحديث عن «ان اسرائيل تحتل قمة الاجندة السياسية /الاستراتيجية الأميركية ومحور مشروع الشرق الاوسط الكبير».
ولا غرابة حينما يعلن المفكر الأميركي «مايكل كولينزبايبر» في محاضرة له أمام مركز زايد في أبوظبي مؤكداً: «أن خطة شن الحرب على العراق تتصل بأرض إسرائيل الكبرى». واستتباعا فانه لا يبقى في ضوء كل ذلك امام العرب سوى العبرة والاستفادة واعادة ترتيب الاجندات والاولويات بما يخدم مصالح الامة وقضاياها القومية إذا ما أرادوا أن يعتبروا.. فالأمة تحتاج إلى سطوة عربية خاصة بها...!
كاتب فلسطيني