فجأة ازدادت درجة التوتر في شبه الجزيرة الكورية بين العاصمة الجنوبية «سيئول» والعاصمة الشمالية «بيونج يانج»، بسبب الإعلان عن مناورات عسكرية أميركية كورية جنوبية قريبة رأت فيها كوريا الشمالية تهديدا لأمنها الوطني، فأعلنت بدورها استعدادها لإطلاق قمر صناعي لأغراض سلمية يحمله صاروخ كوري بعيد المدى، مما ضاعف من خطر المواجهة، فتكهربت الأجواء في العواصم الأربع الدولية الأخرى واشنطن وطوكيو وموسكو وبكين الأعضاء في المحادثات السداسية بشأن الملف النووي الكوري خشية إنزلاق الأمور إلى حرب جديدة بين الكوريتين لن تسلم من آثارها هذه العواصم أيضا.

وبدلا من إرسال رسائل مطمئنة لكوريا الشمالية لتجنب سخونة المواجهة التي ستخسر فيه كل الأطراف، زاد قائد عسكري بحري أميركي الأجواء سخونة عندما هدد باحتمال اعتراض الصاروخ الكوري الذي يحمل القمر قائلا: «أننا جاهزون للتعامل مع الصاروخ بمجرد انطلاقه من قاعدته، إذا ما تلقينا الأمر»، فوضعت كوريا الشمالية قواتها في حالة التأهب، وأعلنت أن أي اعتراض لإطلاق القمر هو إعلان حرب سترد عليه فورا، وأنها مستعدة لخوض الحرب ضد سيئول وواشنطن دفاعا عن إرادتها وسيادتها الوطنية.

فلماذا انقلبت أجواء الانفراج النسبي بين الكوريتين إلى هذه العاصفة الساخنة والتي يخشى المراقبون أن تتحول إلى إعصار على شبه الجزيرة المقسمة، وعلى الأطراف المعنية وفي مقدمتها اليابان والولايات المتحدة، وتهدد بانهيار المحادثات السداسية بشأن البرنامج النووي الكوري والتي شهدت مراحل من المد والجزر بسبب الاتهامات المتبادلة بين «بيونج يانج» وواشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتهما، وطبعا لن تقف حيالها الصين وروسيا دون حراك؟!

ولماذا تعترض كوريا الشمالية على مناورات أميركية جنوبية تجرى كل عام ؟.. ولماذا تسعى سيئول وواشنطن وطوكيو لعرقلة البرامج النووية السلمية للدول الناهضة، ومنع إطلاق القمر الصناعي الشمالي مثل كل الدول التي تطلق أقمارا صناعية سلمية كالصين وروسيا وإيران والهند والدول الغربية وغيرها وفي مقدمتها أميركا، التي أطلقت عشرات الأقمار العسكرية والسلمية بينما تمنع بالتهديد أو بالقوة من تعتبرهم خصومها من الاستفادة السلمية أو العسكرية بهذه التقنية اللازمة لأغراض الاتصالات والدفاع والتنمية؟!

المسألة بالنسبة لكوريا الشمالية أن هذه المناورات هي الأكبر والأضخم عما سبق من مناورات إذ يبلغ عدد الجنود الأميركان والكوريين الجنوبيين المشاركين فيها 26000 جندي، وأن طبيعة هذه المناورات بالتحديد توجه رسالة تحذير لكوريا الشمالية بالتلويح لغزوها إذا لم ترضخ للشروط الأميركية بشأن برنامجها النووي، فضلا عن أنها تأتي في توقيت استعداد كوريا الشمالية لإطلاق قمرها الصناعي مصحوبة بتهديدات عسكرية أميركية لاعتراض الصاروخ الحامل للقمر.

بينما على الناحية الأخرى يخشى هذا المحور الثلاثي الأميركي من نجاح تجربة إطلاق القمر الصناعي الكوري، لأن نجاحه يعنى نجاح بيونج يانج في امتلاك ذراع صاروخية بعيدة المدى يمكنها الوصول إلى أجزاء من الأراضي الأميركية ويهدد «أمن الحلفاء»، وهو في رأيهم ما لا يجب السماح به ولو بالقوة، مثلما رأوا نفس الرؤى المنزعجة بالنسبة لإطلاق القمر الصناعي الإيراني، لأنه يعني امتلاك إيران لذراع صاروخية طويلة تطال المواقع الإسرائيلية وتهدد «أمن إسرائيل»، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداَ «لأمن أميركا»! إذ لم يكن هناك فرق، وهو المطلوب من الرئيس «أوباما» «تغييره»!

mamdoh77t@hotmail.com