يجادل رئيس تحرير مجلة «نيوزويك» الدولية فريد زكريا بان على الغرب والإدارة الأميركية أن لا يتعاملوا مع كل الإسلاميين باعتبارهم إرهابيين. انها دعوة لمزيد من الفهم والدقة والموضوعية.

ذكرني هذا كله بكل تلك التحليلات التي تفصح عن غباء وتسطيح وتنميط لا مثيل له وقع فيه الغالب الأعم من الكتاب الغربيين الذين راحوا يبحثون عن أصول للتطرف والجهادية عبر استقراء التاريخ الإسلامي. أحد نماذج هذا التنميط والتسطيح مثلا ما وقع فيه محرر في ملف أعدته مجلة «الايكونومست» عن التطرف الإسلامي استخرج فيه الكاتب مقولة لرجل دين مسلم عاصر الحملات الصليبية أجاز فيها ضرب القلاع الصليبية بالمنجنيق رغم وجود أطفال ونساء فيها بل وحتى أسرى وسجناء مسلمين محاولا بذلك إيجاد صلة بين ذلك الرأي «الظرفي» واستهداف المدنيين في العمليات الانتحارية في الوقت الحاضر.

كان مقالا نموذجيا للتنميط «stereotyping». فالكاتب المحترم الذي تسبق اسمه مختصرات الألقاب الأكاديمية، وقع في زلة تفصح عن الخلل العميق الذي يعتري أمثاله من الكتاب عندما تناسى سؤالا أساسيا: ماذا كان يفعل الصليبيون في الأرض العربية؟ أوه.. نعم لقد كانوا رسل سلام. (راجع مقالنا في البيان: «محللو الإرهاب الغربيون.. أي عمى أخلاقي هذا؟»، 6 أغسطس 2008).

انه التسطيح والتنميط الذي برع فيه الأميركيون دون سواهم بامتياز يفوق الوصف إلى الحد الذي دفع الناشط العربي الأميركي جيمس زغبي لأن يعلق ساخرا في إحدى حلقات برنامجه التلفزيوني الحواري قبل بضعة سنوات «.. اليوم كل أميركي يردد كلمات مثل (جهاد).. (سلفي).. (وهابي) و(مدرسة).. أصبح خبيرا في الإرهاب..».

لكن مقال فريد زكريا الذي يفصح عن إلمام ومعرفة واسعة ودقيقة، يمثل من وجهة نظري جوابا لكل موجة التنميط والتسطيح التي غرق فيها الكتاب الغربيون طيلة السنوات الماضية وهم يتحدثون عن «الجهادية» و«التطرف الإسلامي»، كتابات لا تفعل سوى تقديم ما يريد الجمهور أن يسمعه، جمهور يمتد من أركان الإدارة الأميركية وخبراؤها إلى رجل الشارع، استمتع على مدى سنوات بهذيان لا مثيل له من منطق «الكتل الصماء». منطق الحركات الفاشية والنازية في أوروبا نفسها التي تعتبر كل المهاجرين شرورا.

لكن زكريا في مقاله المعنون «تعلم العيش مع الإسلام الراديكالي» في 10 مارس في نيوزويك، يحث الغربيين على التخلي عن معاملة الإسلاميين بمنطق «الكتلة الصماء» منطق إدارة جورج بوش التي برهنت من خلاله على أحد أهم تجليات التفكير المكارثي الذي استحوذ على تلك الإدارة.

يسعى زكريا للبرهنة على أن صعود الإسلام الراديكالي في المجتمعات المحلية في بلدان عدة لا يعني بالضرورة أن لهذا الصعود بعدا عالميا. بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يكون صعود الإسلاميين وانتشار أفكارهم والتعاطف الذي قد يحظون به من السكان في أي بلد مرتبطا بالجهادية العالمية. هنا يشير إلى تمرد المناطق القبلية في باكستان، وظاهرة تطبيق الشريعة في بعض ولايات نيجيريا وصعود الإسلاميين في الصومال. وبرأيه أن هذا الصعود ليس له بعد عالمي (جهادي) بقدر ما يرتبط بأوضاع محلية صرفة عندما يرى أن السبب الأساسي هو «فشل البلدان الإسلامية في التطور على الصعيد السياسي والاقتصادي».

ها قد عدنا مجددا إلى التاريخ، فطيلة ثلاثة عقود كان هذا التفسير مطروحا منذ اللحظات الأولى التي ظهرت فيها ملامح نقمة الإسلاميين واندفاعهم التدميري نحو المواجهة. التطرف أيا كان غطاؤه الإيديولوجي ليس سوى رد على تطرف آخر. لنضع العبارة بشكل آخر: فشل البلدان الإسلامية والعربية في التطور على الصعيد السياسي والاقتصادي هو التطرف الذي ولد التطرف الإسلامي.

على الصعيد السياسي: عناد لا مثيل له في الوقوف أمام المشاركة الشعبية والديمقراطية. على الصعيد الاقتصادي: الثروات كلها بيد نخب أيا كان المسمى وأيا كانت موضة الاقتصاد السائدة في أي عصر: من الاشتراكية إلى الخصخصة، العولمة والأسواق المفتوحة، القاسم المشترك هنا هو نخب تريد الإمساك بكل الثروات ومن اجل هذا يتعين الوقوف أمام كل الدعوات للمشاركة في صنع القرار والديمقراطية.

وعندما يطول أمد هذا الفشل، فان هذا لا يفعل سوى دفع الناس لليأس، واليأس هو منبع التطرف ومولده في كل مجتمع. ولليأس منطق تبسيطي خلاب يفسر هذا الانجذاب من قبل شرائح واسعة من أي مجتمع أنهكها الفساد والانتظار عقودا طويلة من اجل تحسن الأوضاع. فيما خص ذلك النوع من التنظيمات الإسلامية المتطرفة (ليس كل الإسلاميين سواء بالتأكيد) فان التبسيط واضح: العودة للأصول، الرجم وقطع يد السارق وقطع الرؤوس ورجم الزانيات.

في كل الأمثلة التي أشار إليها زكريا في مقاله، هناك قاسم مشترك هو تطبيق مثل هذه الأحكام لأنه تعبير عن يأس من نظام العدالة السائد. أيا كان المنطق والتحليل، ففي النهاية سنجد أنفسنا أمام أسباب تعود بنا من جديد إلى مسؤوليتنا الذاتية، فالعلة موجودة فينا.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com