بعد ثلاثة وأربعين عاما من القطيعة مع حلف شمال الأطلسي قررت فرنسا العودة إلى القيادة العسكرية للحلف بقرار من الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي أكد فيه على التمسك بنفس الأسباب والمبادئ التي كانت وراء قرار الانسحاب عام 1966 وكذلك طمأنة حلفائه الأوروبيين بشأن مستقبل الدفاع الأوروبي المشترك.

وكان الزعيم الفرنسي الأسبق ديجول قد أعلن عام 1966 عن انسحاب بلاده من قيادة الحلف المسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي بسبب سيطرة الولايات المتحدة على هذه القيادة التي تضع سياسات واستراتيجيات الحلف وتحدد أهدافه في حين أن هذه القيادة مقرها أوروبا، وقد طالب ديجول بتشكيل قيادة بريطانية-أميركية ـ فرنسية مشتركة ولكن واشنطن رفضت، الأمر الذي جعل ديجول يشعر بأن فرنسا لن تكون لها أية أهمية في الحلف وأنها ستصبح مجرد أداة في يد واشنطن ولندن.

الآن يعود ساركوزي بفرنسا لقيادة الحلف في أوروبا، وكما ذكر في مؤتمر عن الدفاع أن فرنسا تحتاج الآن للعودة إلى قلب حلف الأطلسي لجعل صوتها مسموعا، وشدد على ضرورة أن تكون فرنسا قوة ذات تأثير على قرارات المعسكر الغربي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، مع الاحتفاظ بحد أقصى من حرية التحرك.

وقال ساركوزي مبررا قراره أيضا «في عالم حديث يتعين أن يكون بوسع المرء أن يغير قرارات اتخذت قبل نصف قرن» وأضاف «حان الوقت لإنهاء هذا الوضع، لأنه يشكل مصلحة لفرنسا وأوروبا».

الحقيقة أن قرار ساركوزي بالعودة لقيادة الناتو كان من الممكن ألا يكون غريبا ولا مدهشا لو كان ساركوزي اتخذه قبل عام مضى بعد توليه سلطة الرئاسة في فرنسا عندما كان باديا عليه بوضوح ميوله تجاه واشنطن ودفاعه عن سياساتها، ولكن القرار الآن يأتي بعد عام قضته فرنسا في رئاسة الاتحاد الأوروبي وبدا على سياسة ساركوزي خلال هذا العام تحولا كبيرا اعتقد البعض فيه أنه يعطي ظهره تماما لواشنطن، وقد بدا هذا واضحا بعد الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي عندما دخلت القوات الروسية جورجيا.

وطالبت واشنطن بتوقيع عقوبات على روسيا، لكن فرنسا ساركوزي رفضت بشدة هذا الأمر، وأكثر من ذلك ذهب ساركوزي يدخل في حوارات مع ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا حول إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في أوروبا مؤيدا وبشدة لمشاركة روسيا في المنظومة الجديدة، الأمر الذي جعل واشنطن تشعر بوجود مؤامرة فرنسية ألمانية إيطالية باستدعاء للدور الروسي في الأمن الأوروبي كخطوة لتقليص الدور الأميركي وأيضا لتقليص دور حلف شمال الأطلسي في الأمن الأوروبي.

خاصة وأن ساركوزي صرح أكثر من مرة بأن أمن أوروبا مسؤولية الأوروبيين وأن روسيا جزء لا يتجزأ من أوروبا، هذا إلى جانب موقف ساركوزي الرافض لانضمام جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو باعتبار أن هذا الأمر سيسبب مشاكل مع روسيا.

ساركوزي اتخذ قرار العودة لقيادة حلف شمال ألأطلسي دون مراجعة أحد في فرنسا، ولا حتى البرلمان الفرنسي، وهذا أمر يسمح به القانون الفرنسي، ورغم هذا فقد قرر ساركوزي طرح القرار للتصويت في البرلمان، وكأنه على ثقة كاملة من صحة قراره.

وقد رد ساركوزي على منتقديه مؤكدا أن التخلي عن استقلالية فرنسا أمر غير وارد. وقال إن «التقارب مع الحلف الأطلسي سيعزز استقلالنا» مذكرا «إننا سنحافظ على قوتنا الردعية النووية المستقلة». السؤال المطروح الآن والمثير للجدل هو، لماذا اختار ساركوزي هذا التوقيت بالتحديد لاتخاذ هذا القرار التاريخي؟

علما بأن قمة حلف شمال الأطلسي ستعقد الشهر القادم في ستراسبورج، وهي قمة تاريخية بمناسبة مرور ستين عاما على تأسيس الحلف، وهي القمة التي من المتوقع أن يطرح فيها قضايا هامة وحيوية تتعلق بهيكلة الحلف ومستقبله، فهل يمكن أن نتوقع من ساركوزي مفاجأة أخرى في هذه القمة؟

على ما يبدو أن قرار ساركوزي هو بداية المعركة وليس نهايتها، فقد اشتعلت الساحة السياسية الداخلية في فرنسا بسبب هذا القرار الذي سيظل محل شد وجذب بين القوى السياسية المختلفة والمتصارعة على الساحة، وسيكون هذا القرار بلا شك نقطة خلاف جذري ومحور مزايدات في أية انتخابات رئاسية ستجرى في فرنسا في المستقبل، خاصة وأن القانون الفرنسي يبيح للرئيس اتخاذ مثل هذا القرار الاستراتيجي بدون الرجوع للبرلمان.

وإن كان ساركوزي الواثق من نفسه قد قرر طرح القرار للاستطلاع والاستفتاء عليه. كما سبق أن اتخذ ديجول قرار الانسحاب، وكما اتخذ بالأمس القريب ساركوزي قرار العودة، فمن الممكن أن يأتي غدا رئيس فرنسي جديد ويتخذ قرارا آخر بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي.

الواقع أن قرار ساركوزي بالعودة لقيادة الحلف مازال يشوبه الغموض وتحوم حوله الشبهات والأسئلة الكثيرة، خاصة في توقيت اتخاذه في الوقت الذي يعاني فيه حلف شمال الأطلسي من مشاكل داخلية كثيرة تهدد بنيانه الداخلي، ويعاني من انقسامات حادة بسبب نشاطه في أفغانستان وانقسام القوات هناك إلى جزئين، أحدهما في الشمال يرفض الدخول في القتال مع طالبان، ويضم قوات فرنسا وألمانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى، وآخر في الجنوب متورط في القتال مع طالبان ويضم القوات الأميركية والبريطانية، وفي نفس التوقيت تقرر واشنطن إرسال قوات إضافية لأفغانستان للقتال هناك.

بينما الأوروبيون «القدامى» يرفضون تدخل الحلف في مناطق خارج أوروبا، وهناك الأوروبيون الجدد من دول المعسكر الاشتراكي السابق الذين تستقطبهم واشنطن في صفها داخل الحلف، وهناك أيضا قضية انضمام دول أخرى للحلف، وخاصة جورجيا وأوكرانيا، والتي يبدو أنها لم تحسم بعد بين واشنطن والأوروبيين القدامى في الحلف، وخاصة فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru