أحسب أن مصطلح (المسيرات المليونية) مصطلح عراقي بحق، إذ لم أسمع به في تاريخ التظاهرات الحاشدة التي كانت تقوم في مناسبات وطنية وقومية أو احتجاجية في ما مر بنا في العراق من ظروف سياسية و اجتماعية؟.
كانت التظاهرات تملأ الشوارع وتطوف في أرجائها حاملة اللافتات التي تعلن عن أهداف التظاهرة ترافقها الهتافات الحماسية، وتشارك في تأجيجها حماسة الواقفين على الرصيف، وهي في العادة لا تتجاوز المئات إلا في حالات خاصة، أما المليون، فلم أشهد في حياتي غير تظاهرة عيد العمال في بغداد عام 1959 التي كانت مدهشة فعلاً، ولم يزعم أحد من منظميها عدد من شاركوا فيها. وإذ كنت شهدت هذه التظاهرة التي لم تتكرر، فأحسب أنها كانت (مليونية) بمقاييس هذا الزمان.
من المعقول أن تتوّهج مشاعر الجماهير في حالات معيّنة لظروف معيشية أو سياسية، فذلك من حقوقها الطبيعية، وأن تنتظم في تظاهرات تعلن فيها عن مطالبها، ومن المعلوم أيضا أن السلطات كانت تمزّق هذه التظاهرات وتعتقل المشاركين فيها ويعود من تبقّى من المتظاهرين إلى بيوتهم بعد أداء واجبهم الوطني، بانتظار ما لا يُنتظر؟ !؟
إلا أن بعضا من هذه التظاهرات أفلحت في إسقاط وزارات في العراق، ولم تكن مليونية، ولكنها كانت ذات أهداف سياسية مدروسة، وكان التعاطف معها مبنيّا على تلك الأهداف، وليس على عدد المتظاهرين أو انسياقا مع الحماس الانفعالي الذي نراه اليوم.يبدو الآن عدم الاكتفاء بالتظاهرات التي تقل عن مليون شخص، وهو رقم لا تستطيع أن تؤكده أية جهة ذات مصداقية؟.
ولكنه مدهش فعلا من خلال ما نشهده من تلاحم الجموع واتساع مشاركتها في هذه التظاهرات التي تقوم استجابة لدعوات حماسية من جهات مختلفة لا تحمل رؤية لأهدافها، والجماهير من جهتها لا تعرف ما دلالة أن تكون المسيرة مليونية أو تقل بعض الشيء عن هذا الرقم، ولكنها تنطلق ثقة بسلامة رأي الدعاة، وبآمال غيبية تستدرجها إلى هذه المشاركات.
بعض هذه المسيرات كانت فعلا ذات أعداد هائلة، وفي مناسبات أغلبها دينية المرجعية في أيامنا، وهي مما يدخل في إطار الالتزام بالتقاليد وشيوعها بين الناس، ولكن البعض منها لم يكن له داع أصلا غير إظهار قوة الدعاة، دون تأمل جدوى وموضوعية وآثار هذه المسيرات المليونية، وما تستنزفه من طاقات البلد البشرية، بانشغال الناس بها عن مصالحهم اليومية وتأخرهم عن العمل والمساهمة العملية في تدبير شؤونهم، والإنفاق الفائض عن اللزوم الذي تستلزمه هذه المسيرات، وهو مما يغني فقراء، ويسعف محتاجين ويعود بالخير على الوطن.
هذا عدا عما تقتضيه هذه المليونيات من تدبير حمايتها، وانشغال الجهات الأمنية بها، وتوفير عناصر السلامة للمتظاهرين، وما قد تسببه من مخاطر في ظل ضمور الوضع الأمني المهدد دائماً؟. وكان؟ الأولى ألا تتكرر الدعوات بهذا الشكل الاستعراضي، وتتحوّل إلى؟ (؟مودة؟)؟، كلما قدّر الدعاة لها؟.
فالجماهير متعطشة لهذا النوع من التلاحم الاجتماعي بعد عقود من الحرمان، وهي تأمل أن تكون هذه المسيرات ذات قيمة في التغيير وفي مقاييس الحرية، ولكن لا ينبغي استثمار هذا التوق إلى الحرية بناء على رغبة مزاجية دون حساب للجدوى والخسائر. وأنا هنا أتحدّث عن كثرة هذه المسيرات المليونية المزاجية التي يُدعى لها الناس ولا أرى مبررا لها، وأتساءل كم من مدرسة ومركز طبي ومرفق ثقافي ودار للأيتام وإسعاف للأرامل والمحتاجين وضحايا البطالة، يمكن أن يقوم على نفقات هذه المسيرات المليونية؟؟!
الفكر، والتقدير الصائب، ودقّة الحسابات، ووضوح الهدف، والمسؤولية الوطنية هو ما يمنح هذه المسيرات ما يجعلها ذات فاعلية في عملية التغيير والنهوض بالمجتمع الكسير مما خلفه الاحتلال من كوارث مازال الشعب يئن منها، وليس عدد المتظاهرين، والتباهي بمشاركاتهم التي لو دُرِست من كل جوانبها لكان فيها خير للوطن وأهله أكثر من عشرات الألوف من الخيام والقدور العامرة والوقت الضائع والمعنى المبهم.
كم يكون جميلا ونافعا لو تصدّى دعاة هذه المسيرات المليونية لدراسة ما يدعون إليه، من تقدير الجدوى ومحاولة استثمار ما يُنفق عليها، وتحويلها إلى مشاريع منتجة تنقذ البلد من البطالة وانهيار الخدمات، وتوفير حياة كريمة لأبناء شعبهم.
كاتب عراقي