خطوة هامة ولا شك، تلك التي تحققت أخيراً باللقاء الثلاثي بين قادة مصر وسوريا والسعودية، وبحضور أمير دولة الكويت الذي سبق أن لعب دوراً في تقريب وجهات النظر أثناء استضافة بلاده للقمة الاقتصادية العربية.

بالطبع سيكون سهلاً أن نسأل: هل كان لابد للأمة أن تدفع الثمن الباهظ الذي دفعته أثناء سنوات الخلاف، لكي تصل إلى ما أعلنه الرئيس السوري بشار الأسد بعد لقاء الرياض الأخير من أن الخلافات في الرأي أمر طبيعي، والمهم كيف ندير هذه الخلافات وألا تتحول إلى خصام!! ولكننا لا نريد أن ننكأ جراح الماضي، بل علينا أن نلتفت إلى الحاضر والمستقبل، وأن نتعامل بجدية مع التحديات الهائلة التي نواجهها.

ومن هنا يجئ التحفظ الذي سبق أن أبديناه على وصف جهود استعادة التضامن العربي بأنها من أجل «المصالحة».. هذه الكلمة التي لم يعد لها مدلول حقيقي عند الرأي العام، من فرط تكرار استخدامها بعد أن تتحول الخلافات في الرأي إلى «حالة خصام» علي حد وصف الرئيس السوري نفسه.

لتتولي فصول العلاقات العربية بين خصام. فمصالحة، فخصام، فمصالحة ! ومن هنا ينبغي الإشادة بما قيل هذه المرة بعد لقاء الرياض، من أن طي صفحة الماضي لا يتوافق فقط مع وضع آلية لحل الخلافات التي من الطبيعي أن تنشأ بين الأطراف العربية الرئيسية، بل يتعدي ذلك إلى «الاتفاق على منهج موحد للسياسات العربية في مواجهة القضايا الأساسية» لأن الاكتفاء بآلية لحل الخلافات يعني أننا سنقف عن حدود إدارة الأزمات العربية - العربية، ولا نتجاوزها بامتلاك «مخطط متكامل» للعمل العربي المشترك في مواجهة التحديات الخطيرة التي تواجهها الأمة.

نقطة ثانية ينبغي الوقوف عندها مع طي صفحة الخلاف بين العواصم الثلاثة والذي كلفنا كثيراً، وهو أن يدخل الجميع المرحلة الجديدة من العمل العربي بشعور صادق بأن الكل كان خاسراً بهذا الخلاف، وأنه إذا كان هناك من استفاد من هذه المرحلة البائسة فليس من بينها طرف عربي. يكفي أن نلقي صورة علي المشهد وأن نري حجم التهديدات لأمننا القومي، وأن نراقب كيف تراجع الدور العربي وصعدت أدوار كل الأطراف الإقليمية الأخرى لتكون جزءاً من عملية تقرير مصير المنطقة، بينما العرب غائبون.. يكفي أن نلقي نظرة علي المشهد لندرك كم خسرت كل الأطراف العربية وربح الآخرون !!

يتصل ذلك بنقطة ثالثة تتعلق بمخاوف البعض من أن يكون التوافق العربي علي حساب قوي المقاومة العربية أو طريقاً للمزيد من التنازلات.. وهو أمر ينبغي التعامل معه في ضوء الحقيقة الأساسية وهي أن حالة التوافق العربي توفر الضمانة لموقف أقوي في مواجهة الضغوط أو الإغراءات. وأن أي طرف عربي علي مائدة المفاوضات أو في مواجهة العدوان المسلح سيكون اقوي بمراحل إذا كان الدعم العربي له كاملاً. ومن هنا كان الحرص الإسرائيلي علي «الاستفراد» بكل طرف عربي، ومن هنا كانت الحصيلة المرة للمقاومة في ظل الانقسام، وللتفاوض بعيداً عن استراتيجية عربية واحدة.

قضية أخرى تثار مع أنباء التوافق العربي بين العواصم العربية الرئيسية الثلاث، وهي العلاقة مع الأطراف غير العربية في المنطقة وخارجها، وخاصة ما يتعلق بالعلاقات السورية ـ الإيرانية. والواقع يقول إنه لا توجد أطراف عربية تسعي للصدام مع إيران.

وإنما المطلوب علاقة متوازنة تقوم علي عدم التدخل في شؤون الغير، وتسعي لإنهاء المشاكل المعلقة بين العرب وإيران وفي مقدمتها مشكلة الجزر الإماراتية، وتعمل لتعميق المصالح المشتركة بين الطرفين، وتدرك أن دعم إيران (مثل أي دولة إسلامية) للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أمر ينبغي الحرص عليه والاستفادة منه، وتنطلق من أن تصحيح الخلل الناشئ عن الغياب العربي والانقسامات العربية سوف يخلق الظروف لعلاقات متكافئة مع إيران مع تركيا، وسوف يجعل العدو الإسرائيلي يعيد حساباته قبل أن يضطر العرب إلى سحب أيديهم الممتدة بآخر فرصة للسلام!

تبقى ملاحظة هامة لابد من التوقف عندها، وهي أن الاتصالات بين العواصم الثلاث (القاهرة ودمشق والرياض) والتي سبقت لقاء التوافق بين الزعماء الثلاثة الملك عبدالله والرئيسين مبارك والأسد، لم تقتصر على وزراء الخارجية والدبلوماسيين، وإنما كان هناك حضور قوي لرؤساء أجهزة الأمن القومي والاستخبارات في الدول الثلاث، وهو ما يعني أن ملفات الأمن القومي كانت على بساط البحث وفي بؤرة الاهتمام، من فلسطين والسودان، إلى العراق والخليج ولبنان، وكلها ملفات خطيرة لا يمكن السماح بأن يترك الانقسام العربي آثاره السلبية عليها.

وليس هذا بالطبع غاية المطلوب، ولكنه قد يكون خطوة على طريق إعادة العمل من اجل بناء استراتيجية دفاعية عربية مشتركة، بعد أن أدرك الجميع كم كانت الجهود المبعثرة طريقاً لاستباحة الأمن العربي كله، وهو أمر لن توقفه المهادنة أو الممانعة، بل فقط بناء القوة العربي الموحدة القادرة على ردع العدو، وحماية الأوطان، في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com