كان من المتوقع والمفهوم، أن تكون جولات الحوار الفلسطيني صعبة وطريقها وعرة. الخلفية مشحونة بالكثير من عوامل التأزم. الفجوة بين «فتح» و«حماس»، واسعة؛ بقدر ما هو مشروع كل منهما متصادم مع الآخر. تراكمات فترة الانقسام، عمّقت التباعد والشكوك المتبادلة.
الأمر الذي جعل التزحزح المطلوب، عن المواقف والشروط، أسير لعبة شدّ الحبال المفتوحة. كله معروف وجائز. لكن الخطر، في هذه الحالة، أن اللعبة إذا تواصلت بهذا الشكل؛ قد تنتهي إلى واحد من احتمالين: إما أن ينقطع الحبل، من كثرة الشدّ. وإما أن تحكمها المراوحة والجمود، وبالتالي وقوع الحوار في الانسداد. والظرف الراهن لا يحتمل هذه ولا تلك. كلاهما له تداعيات كارثية.
الحوار الجاري، انعقدت طاولته استجابة لظروف ضاغطة وخطيرة. العدوان على غزة، لا تزال آثاره جاثمة على الأرض. الحصار متواصل. الأراضي الفلسطينية، ناهيك بالقضية، مرشحة لمواجهة هجمة إسرائيلية أشدّ خطراً من ذي قبل؛ مع مجيء اليمين الفاقع بعدوانيته وعنصريته، إلى الحكم في إسرائيل. كله أدّى إلى الجلوس للتحاور ورأب الصدع.، كان من نوع «ربّ ضارة نافعة». لكن مثل هذه الاستجابة، على أهميتها، لا يكتمل نفعها؛ إلاّ إذا حققت الغرض. بلوغ هذا الأخير، مشروط بتوفر القرار للوصول بالحوار إلى طيّ صفحة الانقسام. تحت سقفه، تجوز المناورات والمساومات. لكن ليس التعقيدات.
عدة مرات تدخل الوسيط المصري، لإعادة تحريك عجلات الحوار. مع أن هذا الأخير قطع أشواطاً ملحوظة، في ملفات الأمن ومنظمة التحرير وموضوع المصالحة. أيضاً حصل التوافق على «ميثاق شرف»، يؤكد على عدم اللجوء إلى السلاح لحسم الخلافات السياسية.
خطوات وازنة وعلى الطريق الصحيح. لكنها لا ترقى إلى مستوى الانجاز المطلوب، طالما بقي الجانب السياسي، المتمثل بملفي الحكومة والانتخابات، خارج التوافق. فهو في أساس الخلاف والانقسام. الدخول في لعبة الأسماء والمفردات، يزيد من التعثر ومن إعادة توتير الأجواء.
الاتفاق على البرنامج، المرحلي بطبيعته، يكفل التغلب على التفاصيل، التي وقفت حتى الآن في طريق الانفراج الحقيقي. واضح أن حسابات الأطراف، تسببت بالمراوحة. بل هي تهدّد العملية، إذا ما بقيت مستبدّة بالحوار. وحتى لو أحيل الأمر إلى اللجنة العليا للإشراف والتوجيه، بعد فشل اللجان؛ فإن النهاية المحمودة يتعذر بلوغها؛ من دون المرونة اللازمة، المتعالية على حسابات الأرباح والخسائر.
أكثر من مرة جرت محاولات للحوار وفشلت. أيضاً فشلت، عدة لقاءات ومواعيد سابقة. هذه المرة، لا الوضع يسمح؛ ولا الوقت. كلاهما ملزم. وعلى القوى الفلسطينية التي استجابت لتحدّي اللحظة وتحاورت، أن تطلع بحصاد من حوارها. البديل لا تقوى عليه.
