تأتي إشارات عميقة من الرئيس باراك أوباما، توحي بأن الرجل يريد أن يطلّق نهائيا سياسة الصلف والغطرسة التي اعتمدها سلفه، ويبدو الرجل وكأنه يريد أن يقوم على المستوى الدولي بدور رجل الإطفاء لا حمّال الحطب.

ولا شك أن هذه المهمة عسيرة، فهنالك بطبيعة الحال في الداخل الاميركي من لا يتجاوب مع إرادة الرئيس في التغيير، وهناك في المستوى الدولي صراعات ومصالح عليها أن تكون من هنا فصاعدا أكثر عقلانية، بحيث عليها أن تراعي وفي نفس الوقت أسباب وطرق تحقّقها ونتائجها، مع البحث عن مسال تعين إرادة أوباما في التغيير وتساعدها، ومن بينها بل وأولها أن لا تضرر المصالح الاستراتيجية الكبرى لبلاده.

يبدو هذا الطرح معقّداومثاليا، ولا شك أنه في باب التعقيد كذلك، أمّا المثالية التي تبدو نقيضا للسياسة، فهي وإن كانت كذلك، فإنّها أيضا وفي هذه الحالة، عين الواقع والصواب. فإن أوباما لن يستطيع تغيير الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية مهدّدة، ولن يكون بإمكانه أن يطفئ حرائق العالم إلاّ متى ضمن أنّ الاطفاء لا يهدّد بلاده.

خارج هذه الدائرة، سيبقى كل أمل في أوباما، صاحب المسحة الانسانيةالعميقة، معلّقا، وسيبقى كل أمل في تغيير هذا العالم المتطاحن مؤجلا.

ويهمّنا عربيا التأكيد بأن باراك أوباما، سيواجه دائما، نفوذا اسرائيليا كبيرا في بلاده، وحول شخصه وداخل إدارته، ولا يمكن أن يكون له دور في ثنايا الصراع العربي الاسرائيلي، الاّ باستعادة العالم العربي لصحته، وبعودة النظام الرسمي العربي على وجه الخصوص إلى الجادّة، بحيث يكون قادرا على الدفاع عن قضاياه، ومؤثرا خلال مرافعاته عنها، فإنه متى لمح في العرب قوّة هادئة ورصينة، وتحسّس منهم جدية وعقل ضعف ذلك النفوذ الذي حوله، وتغيّرت معادلات كانت تأسره إلى حقائق جديدة تطلق يديه.

إن بين العالم العربي والولايات المتحدة الاميركية قصّة طويلة من علاقات غير عادية بالمرّة، فمصالح الولايات المتحدة في بلادنا العربية بلا حدود، أمّا سياستها فإنها تميل ميلا على المستوى القومي الى الأعداء، ثم تتخذ ـ ويا للغرابة ـ على مستوى العلاقات الثنائية مع كل بلد عربي على حدة، شكل العلاقات المتينة التي لا غنى عنها.

واذا أراد العالم العربي من باراك أوباما أن يغيّر معادلة فما عليه أوّلا إلا أن يغيّر ما بنفسه.